نصائح  دعوية . الشيخ تاج الدين الهلالى . الوسطية

نصائح  دعوية

الشيخ تاج الدين الهلالى 

أخي الداعية: أكرمك الله بهداه، وجعلك مِمَّن يتَّقيه حقَّ تُقاه.

  • أستحضر عظمة الأجر والثواب الذي سيكون خيراً لك من الدنيا بمن فيها وما فيها عندما يجعلك الله سبباً في هداية رجل واحد.

  • إذا أردت أن تكون صاحب قلب سليم يتسع للآخر ويستوعب كل أهل القبلة والتوحيد. فوسع آفاق مداركك الفكرية وهمومك الإسلامية والإنسانية. فمن اتسعت أفكاره قلَّ إنكاره.

  • كن كالنحلة تلتمس غذاءها، وتبحث عن رحيقها من جميع الأزهار والبساتين. بلا احتراس ولا احتراز لتخرجه للناس عسلاً طيباً فيه البركة والشفاء والدواء.

  • قد لا يرضيك السلوك والفعل الصادر عن شخص (ما) فانتقد الفعل ولا تبغض الفاعل فإن مهمة الطبيب تستهدف القضاء على المرض وليس القضاء على المريض.

  • هناك حقيقة عَقَدِية ثابتة وهي: الرسول محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) هو وحده المعصوم بمفرده وواحديته. بينما أمته لن تكون معصومة إلا بمجموعها ووحدتها.

  • تأكد من أن من أرضى جميع أصناف الناس فهو منافق، ومن أغضب جميع أصناف الناس فهو أحمق فاجر ومن رضي عنه كرام عشيرته، لايزال غضباناً عليه لئامهم فإرضاء جميع الخلق غاية لا تُدرك فاحرص على رضى الخالق.

  • احرص على نظافة وإصلاح باطنك قبل ظاهرك، وأن تراقب نفسك في خلوتك قبل جلوتك، وأن تمثل القُدوة قبل الدعوة، وأن تحرص على الإحسان قبل البيان، والتربية لا التعرية واعلم أن لسان الحال خيرٌ من ألف مقال.

  • إنما يعرف الفضلَ لأهل الفضلِ ذووه. فلا تحسد أخاك على ميزة أو توفيق تفضَّل الله به عليه فاذكره بالثناء في حضرته وبالدعاء له في غيبته. يرفع الله من قدرك وقدره. وتذكر مقولة كليم الله موسى، وأخي هارون هو أفصح مني لساناً … الآية.

  • لا تستعجل أجر وثواب عملك الدعوي بقصد عطاء أهل الدنيا فتستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير. واطمع فيما ينتظرك عند المولى الكريم من أجر وثواب عظيم.

  • احذر من استدراج نفسك وهواك. لتشارك في محاورة أو مناظرة. بقصد الإفتخار والإنتصار ودحض حجة الآخر ليتحدث الناسُ عنك بأنك فتى الفتيان، وفارسُ الميدان فإن حُبَّ الظهور يقصم الظهور.

  • اجعل من الأصول والثوابت، والكليات العامة التي تعني بقضايا الأمة الإسلامية الهامة. ولا تستهويك مسائل الفرعيات والمندوبات والجدليات والخلافات. فالعقول الكبيرة مشغولة دائماً بالقضايا الكبيرة.

  • زنِ الناس بمعرفة قدرهم ومنازلهم. فلا تنصحن بالتحلي قبل التخلي، ولا تذكرن التجلي أمام من يعيش مقام التحلي. فلكل مقام مقاله، ولكل مقال حاله. ولكل حال أحواله فتعرف على الداء تتمكن من وصف الدواء.

  • أتقن فَنَّ السباحة قبل أن تحاول إنقاذ الغرقى، وتعرَّف على مدارج الطريق قبل إرشاد الحائرين، وكن على اتصال دائم بمصادر الأنوار الثلاثة (الله – الرسول – القرآن) لتكون أهلاً لإنارة غيرك وإخراجه من الظلمات إلى النور.

فن الخطابة وآدابها

وإعلم أخي في الله أن طرق الدعوة إلى الله تتفاوت بتفاوت أحوال الناس، فإن لكل مقام مقالاً، ولكل نفس إدباراً وإقبالاً.

وعِلَلُ الناس ومشاكلهم كالأمراض تحتاج إلى وصف الدواء المناسب لكل داء حسب حاجته، وإذا كانت بعض المضادات الحيوية التي تستعمل لمقاومة وعلاج بعض الفيروسات أو الأمراض التي ظهرت في بيئة من البيئات، فإن هذه المضادات الحيوية قد تفقد صلاحيتها تارة لمرور الزمن وانتهاء وقتها، وتارة أخرى باختلاف المكان وتغير البيئة.

أذكر أنه زار “المركز الإسلامي العام بمدينة سيدني – استراليا” أحدَ الشيوخِ أو العلماء من بلد عربي شقيق، وكان ذلك في يوم جمعة، وبعد الترحاب بفضيلته عرضت عليه أن يؤدي خطبة الجمعة في أكبر مساجد القارة الاسترالية، وليستفيد المسلمون من علمه، وإكراماً له كزائر في مهمة دعوية، فاعتذر عن الخطبة مفضلاً إلقاء محاضرة إسلامية في جموع المصلين.

فقلت له: حسناً لتتفضل مشكوراً بإلقاء محاضرة قبل الصلاة فقال مستنكراً ومستهجناً لهذا العرض: إن الدرس قبل صلاة الجمعة بدعة ولقد نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن الحلقة قبل الجمعة، ولذلك فإنني ألقيها بعد صلاة الجمعة، ولم أشأ أن أناقشه أو أخالفه رأيه، فحاولت توضيح الأمر مستعطفاً: يا فضيلة الشيخ.. يوم الجمعة عندنا يوم عمل في استراليا وجُلُّ المصلين يسارع بالعودة إلى عمله بعد الفراغ من الصلاة مباشرة، فلو تكرمت بإعطاء الدرس قبل الصلاة لاستمع إليك واستفاد من علمك أكثر من ثلاثة آلاف مسلم، بينما درسك بعد الصلاة لا يحضره مائة شخص، فأصر على موقفه قائلاً: الخير في الاتباع، والشر في الابتداع، ولا يجوز لنا أن نتقرب إلى الله تعالى إلا بما شرع.

فقلت: حسناً جزاكم الله خيراً، وبعد أن فرغنا من صلاة الجمعة وانصرف من انصرف، وبقى من بقى قام فضيلته وعلى مدار الساعة يحارب القبوريين، والمتوسلين بالصالحين، والناس ينظر بعضهم إلى بعض، وبعد أن وضعت الحرب أوزارها وانتصر فضيلته بالضربة القاضية على الأموات من سكان المقابر في العالم العربي، ونسى فضيلته أنه في استراليا.

ولما أتم ملحمته التي خاضعها متوهماً وقد أضاع ذخيرته في ميدان لا أثر فيه لعدو، ولا وجود فيه لمقاومة أو احتلال، فذهب رميه سدى، ولم يصب الهدف كمن يشترك الآن في الحرب العالمية الثانية.

ولو هدَّفَ رمْيهُ، وكان على علم مسبق بطبيعة وظروف وأحوال المعركة أو المخاطر التي يجب أن تكون هدفه في مجتمع استراليا، لما استعمل هذه الذخيرة أو هذا النوع من السلاح، حيث أن الخطر والشرك والردة في مثل هذا المجتمع تتمثل في الأجيال المسلمة المهددة بالضياع والذوبان، وفي التفسخ الأسري، والانحلال الأخلاقي، وزواج المثلين (من الجنسين) زواجاً مدنياً أو داخل الكنائس، وضياع العقيدة ولغة القرآن.

والمهم: أننا توجهنا جميعاً إلى مكتب العبد الفقير بعد انتهاء فضيلته من هذا الدرس الأسطوري حاولت أن ألطف هذا الجو المشحون بدُعابة طريفة لعلها تنقلنا من هذه الأجواء، فقلت: يا فضيلة الشيخ لقد أحسنت وأفدت جزاكم الله عن المسلمين خير الجزاء، ولكن لعلم فضيلتكم أن قارة استراليا من أقصاها إلى أقصاها لا يوجد فيها إلا ضريح واحد: لِوّليَّ عارف صاحب مغامرات وكرامات مولانا الشيخ “كابتن كوك” وأنا أقصد الكابتن “جيمس كوك” البحار الإنجليزي الذى اكتشف قارة استراليا، وسُجَّل هذا الحدث على صخرة كبيرة داخل حديقة رائعة تقع على أول شاطئ اتجه إليه الكابتن كوك عند وصوله إلى ولاية نيوساوث ويلز، يذهب إليها الناس لقضاء العطلات والمناسبات.

ولما قلت هذا الكلام فوجئت بأنه لم يضحك، ولم يبتسم، ولكنه عاجلني بسؤال حازم: وهل يذهب أحد من المسلمين إلى ضريح هذا الكوك؟

فأدركتُ وقتئذ أن عقل صاحبي في أجازة مفتوحة، فأجبتُه وقد تأكدتُ أنه من طراز الموجة الواحدة ولا أمل في تحويلها.

نعم يذهب المسلمون في الراحة الأسبوعية يأكلون اللحوم المشوية، ويقضون أجمل الأوقات قرب ضريح مولانا الكابتن كوك.

فقال مرشداً ومعلماً: إنْهَ من قِبَلِكَ،  وحُلْ بين المسلمين وهذا الشرك فالله تعالى يغفر جميع الذنوب ما عدا الشرك بالله.

فقلت له: سنحاول بمشيئة الله تعالى.

وكم أسفت أيضاً لحال أحد المشايخ، وقد جاء موفداً إلى استراليا في رمضان “فتفوع” خطبة كان يحفظها عن ظهر قلب، يحذر مسلمي استراليا من عادة الأخذ بالثأر، وحرمة قتل النفس، وعلينا أن نخضع للقانون حتى لا يتحول المجتمع إلى غابة كل يأخذ حقه بيده.

وقد ظن فضيلته هو الآخر أنه في قرى صعيد مصر حيث تنتشر عادة الأخذ بالثأر، وباختيار أفضل رجل في عائلة القاتل للقصاص منه.

إن الكلمة “كالشتلة” أو البذور تحتاج إلى اختيار نوعية خاصة من التربة، ومراعاة المناخ الملائم.

ومن أجل هذا تعددت إجابات رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على سؤال واحد وجه إليه من أكثر من صحابي يسأله عن أحب الأعمال إلى الله.. فمع الأول: قَدَّم بر الوالدين، ومع الثاني: قدم الصلاة لأول وقتها، ومع الثالث: قدم الجهاد في سبيل الله، وإنما اختلفت الإجابات باختلاف أحوال السائلين وحاجتهم.

وبجانب ذلك على الداعية أن يراعي ظروف الناس ومعاشهم وأن يضع في الحسبان الحالة المناخية إن كان المناخ حاراً، أو شديد البرودة وأن يعلم أن الدرس أو المحاضرة لها أسلوبها وفنها وطريقتها، ولخطبة الجمعة أركانها وشرائطها وآدابها، ولكل من الخطبة والدرس أو المحاضرة أصول وأركان أهمها:

  • براعة الاستهلال.

  • روعة الاستدلال.

  • مطابقة الكلام لمقتضى الحال.

اللهم أفتح على دعاة كلمتك فتوح العارفين بحكمتك وأنشر عليهم من خزائن رحمتك، وأشرح صدورهم بفيض الإيمان بك، وجميل التوكل عليك.

إهدهم واهدِ بهم، وعلّمهم وعلّم بهم، واجعلهم بفضلك وعونك وتوفيقك سبباً لهداية العباد وإصلاح البلاد.

آمين.. أمين يارب العالمين.

 

 

0 Comments

Leave a reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

© [السنة الحالية] ALWASATEIA | مشغل بواسطة

Log in with your credentials

Forgot your details?