معالم التفكير لمواجهة جماعات التكفير {4}الشيخ تاج الدين الهلالى .الوسطية

معالم التفكير لمواجهة جماعات التكفير {4}الشيخ تاج الدين الهلالى .الوسطية

4- الحشوية والبلكفة:

لقد أكد الصادق المصدوق صلى الله عليه وآله وسلم في أحاديثه أن الشيطان ذئب ابن آدم وإنما يأخذ الذئب الشاة القاصية فعليكم بالجماعة والعامة والمسجد. وأخبر أن أمته لم ولن تجتمع على ضلالة وأن يد الله على الجماعة.

وقد أوضحنا آنفاً أنه ما من جماعة أو طائفة أو مذهب من مذاهب المسلمين ألا واتباعها يرون ويعتقدون أن السنة النبوية هى المصدر الثاني للشريعة بعد القرآن الكريم وما من مسلم إلا ويتعبد لله تعالى بالتأسي والاقتداء بالهادي البشير محمد (صلى الله عليه وأله وسلم).

وإنما جاء الخلاف في مدى ثبوت النص النبوي وفي فهمه وتعدد الاستنباط للأدلة التي يتحملها النص.

وأن الجميع متفقون على تنزيه الله تعالى بالتزام ظاهر النص أو بتأويله إن اقتضت الضرورة والحاجة والمنهج الأول وهو ما نرتضيه هو الأسلم والأحكم. والثاني لدفع شبه التشبيه والتجسيم الله الإعلم.

والحق أنه لا يجوز لأحد الفريقين أن يكفر الآخر لما في ذلك من افتئات على الله ورسوله بوضع قواعد وأصول من عندياتنا تخرج المسلم من الإسلام وتلغي شهادة كان بها مسلماً منحها له الله ورسوله.

ومما وقع من تنابذ وتراشق يصل إلى حد التنفير والتكفير ما وُصف به غلاةُ الحنابلة عندما تعصبوا لرأيهم وكفروا من سواهم أنهم “حَشْوية” مُشَّبهة مجسمة.

وهو لقب أطلق على فريق من أصحاب الحديث: اعتقدوا ظواهر الأحاديث المسرفة في التجسيم من غير قيد ولا اعتبار للمجازات اللغوية ويقال عنهم (أنهم الحرفيون النَّصيون) الملتزمون بظاهر النص مطلقاً ويرى العلامة الكوثرى: أنهم سُمَّوا لأجل هذا (الحشوية) وإلى هؤلاء ينسب أصناف المشبهة والمجسمة (نشأة الفكر الإسلامي، 287).

ويرى البعض الآخر أن هذه التسمية مرتبطة “بما ذهب إليه رأي هؤلاء القوم من القول بأن الله تعالى ذو مكان أى أنه سيصبح في حشو العالم أي داخله (المدخل دراسة علم الكلام، 78).

ومما أنكره المعارضون على الحشوية: قولهم إن لله تعالى وجهاً، ويداً، وعيناً، وجنباً، وأصابع، وساعداً، وذراعاً، وكفاً، ورجلاً، وقدماً، ومكاناً، ونزولاً، وغضباً، وضحكاً، وكلاماً، واستواءً. ويثبتونها على حقيقتها لأن تأويلها وصرف معناها من الحقيقة إلى المجاز. تأويل مظنون، ومن ثم فلا يجوز لنا أن نقول في ذات الله “بالظن” والتنزيه الحق ما نَزَّه تعالى نفسه: ليس كمثله شئ وهو السميع البصير.

وقد اتفق أهل السنة والجماعة من اتباع الأئمة الأربعة، (إلا قلة من المجسمة، وهم غلاة الحنابلة)، ومن اتباع الإمامين الجليلين أبي الحسن الأشعري وأبي منصور الماتريدي، على أن العقائد إنما تؤخذ من الآيات المحكمات والأحاديث المتواترات، أو البراهين العقلية اليقينية واتفقوا على أنه إذا وجد من الآيات والأحاديث شئ يخالف ظاهره ما علم من الآيات المحكمات، والسنن المتواترات أو السنن الثوابت وشهدت بصحته الأدلة العقلية اليقينية، وجب أن نعتقد فيه أن ظاهره ليس مراداً لله تبارك وتعالى، ولا لرسوله عليه الصلاة والسلام وعليه فلا يبنى على ذلك الظاهر شئ من أحكام العقائد والصفات، واتفقوا على أنه إن كان لهذا النص المتشابه تأويل واحد فقط كان ذلك التأويل هو المراد كحملهم المعية الذاتية على العلم والإحاطة، وذلك في أمثال قول الله تعالى (وهو معكم إينما كنتم) [الحديد 4] وما شابهها لأن كينونته مع خلقه بالذات أمر يستحيل على الله بحسب ما اصطلح عليه، فإذا لم يبق هناك إلا الحكم بالعلم والقدرة والإحاطة، وجب المصير إليه أما إذا كان للنص أكثر من معنى فقد دخله الاحتمال فمذهب السلف كما أثبتنا ذلك في بابه:

أ- الإيمان بالنص كما ورد ما دام قطعياً في وروده أو صحيحاً لا يلزم من نسبة معناه إلى الله تبارك وتعالى أي نقص.

ب- اعتقاد أن الظاهر غير مراد إذا كان متشابهاً لقيام الأدلة المحكمة القطعية على خلافه.

جـ- تفويض معرفة حقيقة معناه إلى الله عز وجل وإلى رسوله (صلى الله عليه وأله وسلم) ولا يبحث في الكيفية أو التفاصيل ولا تفسير ولا تأويل ولا شئ أكثر من إمراره كما جاء، وتلاوته وعلى هذا حمل ما روى عن الإمام مالك رحمه الله فقد أخرج البيهقي في الأسماء والصفات بإسناده إلى أبي الربيع ابن أخي رشدين بن سعد قال سمعت عبد الله بن وهب يقول: كنا عند مالك بن أنس فدخل رجل فقال يا أبا عبد الله: الرحمن على العرش استوى كيف استواؤه؟ قال: فأطرق مالك وأخذته الرحضاء ثم رفع رأسه فقال: الرحمن على العرش استوى كما وصف نفسه، ولا يقال كيف، والكيف عنه مرفوع وأنت رجل سوء صاحب بدعة، فأخرجوه.

 (البلكفة) أو (البلفكة)

لَمَّا ورد فيما أطلق عليه آيات الصفات أو أحاديث الصفات من أوصاف يشبه ظاهرها وصف الله تعالى بصفات المخلوقين.

وحيث أن المعهود من ظواهر هذه النعوت جوارح وأعضاء من نعوت الآدميين والشئ إنما يحمل على حقيقته إن أمكن. ثم يتحرجون من التشبيه والتجسيم فيقولون: نعم لله كذا وكذا: “بلا كيْف”.

فسمي هذا (التنزيه عندهم) (أو الهروب عند خصمائهم) بالبلكفة (أو البفلكة).

ويقول الشيخ الصباغ أيضاً: “إن الذين يحرمون التأويل هم المشبهة الذين يشبهون الله بخلقه وقد صدق الشاعر حين قال فيهم:

قل للمشبهة الذين تجاوزوا

...

حجج العقول بكل قول منكر

ياويلكم قِسْتُم صفاتَ إلّهكم

...

بصفاتكم هذا قياس الأخسر

أيقاس صانع صنعة بصنيعه

...

أيقاس كاتب أسطر بالأسطر

هيهات يُشبه صانعٌ لصنيعه

...

هيهات تشبه صورةُ لمصور

هذا المحال ومن يقول بقوله

...

فهو الكفور على جهنم مجترى

من قال إن الله يشبه خلقه

...

كانت مقالته مقالة مفترى

أو قال إني في التكلم مثله فهو

...

الكفور بلا محالة فاحذر

يقول الزمخشري في كشافه يهجو من يتستر بالبلكفة.

وجماعة سَمَّوْا هواهم سُنةً

...

لجماعةٌُ حُمُر لَعَمُرِي موفكة

قد شبهوه بخلقه فتخوفوا

...

شنع الورى فتستروا بالبفلكة

وعليه فإذا كان السلفيون يتهمون أهل السنة بالتعطيل فإن أهل السنة يتهمونهم بالتشبيه والتجسيم. وقد درج كل منهما على تكفير الآخر بناء على ذلك.

فهل هذا هو التوحيد الذى جاء به المصطفى (صلى الله عليه وأله وسلم) وترك عليه أصحابه، وله انقادوا فسادُوا.

وهاهوا ذا أبعد الناس عن التأويل الإمام “أحمد بن حنبل” قد أوَّل، فقد قال الثقاة من أئمة الحنابلة: إن الإمام أحمد صرح بالتأويل في مواضع قليلة جداً عدها بعضهم ثلاثة، منها: في قوله (صلى الله عليه وأله وسلم): “والحجر الأسود يمين الله في الأرض”، وقوله (صلى الله عليه وأله وسلم): “قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن”.

أول الإمام أحمد – رحمه الله – عندما قام عنده البرهان على استحالة المعنى الظاهر، فقال في تأويل الحجر الأسود الخ: لما كانت اليد تقبل في العادة تقرباً إلى صاحبها، فالحجر الأسود يُقبل تقرباً إلى الله امتثالاً لأمره، فهو مثل اليمين، لا في ذاتها، ولا في صفاتها، ولكن في أمر عارض من عوارضها، وهو التقرب بتكريمها لصاحب الأمر بهذا التكريم.

وكذا لما قام عنده البرهان على استحالة وجود إصبعين لله تعالى يحيطان بالقلب، لأن من يتحسس صدره لا يشعر فيه بأصبعين، تأول ذلك الأمر على العقل الذى يلزم الأصابع، وهو قدرتها على تقليب الأشياء من حال إلى حال، فالمعنى المراد أن القلوب تحت تصرف الله سبحانه، يفعل بها ما يشاء.

ولم يتوسع ابن حنبل – رحمه الله – في التأويل لأنه لم يظهر عنده استحالة الظاهر إلا في هذه المواضع التي أولها، لأنه رحمه الله لم يكن ممن شغلوا أنفسهم بكثرة الإمعان في النظر العقلي، ولو أمعن كغيره لظهر له كثير مما يصح تأويله. ككون الله سبحانه في السماء في قوله: ((أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ)) [الملك 16] مع كونه سبحانه مع الاثنين. والثلاثة الخ كما في قوله: ((مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلا هُوَ مَعَهُمْ)) [المجادلة 7].

لذلك ترى الأشعري والمعتزلي لزيادة تعمقهما في النظر في العقليات أولوا ظواهر كثيرة.

ومما أوَّله الأشعري ما تقدم: من أن الموت يأتي يوم القيامة في صورة كبش الخ. وأن الأعمال توزن يوم القيامة، وقال: بما أن الأعمال أعراض انتهت في الدنيا فالذى يوزن هو صحائف الأعمال.

والمعتزلي تأول الميزان نفسه، وجعله كناية عن شئ بسببه ينكشف لكل واحد مقدار عمله، وهذا تأويل أقرب من تأويل الأشعري.

ومن هذا تعلم أن كل فريق من المسلمين وإن بالغ في المحافظة على الظاهر، ونفر من التأويل، فهو مضطر إلى التأويل، إلا أن يتجاوز الحد في الغباوة فيقول: الحجر الأسود يمين الله حقيقة، والموت وأن كان عرضاً فإنه يصير جسماً حقيقة. وحديث الصدقة وأن التمرة تقع بيمين الله.

ومن ينتهي إلى هذا الحد من الجهل فقد انخلع من ربقة العقل، ثم قال: وعلى هذا فلا ينبغي أن يكفر كل فريق خصمه إذا رآه مخطئاً في الدليل.

نعم يجوز أن يصفه بالخطأ، أو الضلال عن الطريق الذى يراه هو صواباً “التفرقة بين الإسلام والزندقة”.

 

0 Comments

Leave a reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

© [السنة الحالية] ALWASATEIA | مشغل بواسطة

Log in with your credentials

Forgot your details?