فتنة التكفير (7)  قتل النفس أعظم وأكبر. الشيخ تاج الدين الهلالى . الوسطية

فتنة التكفير (7)  قتل النفس أعظم وأكبر.

الشيخ تاج الدين الهلالى . الوسطية  

قتل النفس أعظم وأكبر

ولمَّا كان استحلال الدماء وإزهاق أرواح الأبرياء إنّما هو نتاج عملي لظاهرة التكفير فمن ثم فإنه طريق المهالك المؤدي إلى إعلان الحرب على الله تعالى بانتهاك حدوده واقتحام حصنه وهدم بنيانه.

فالآدمي بُنيان الله وملعون من هدمه، ولا يزال المرءُ في فُسحة من دينه ما لم يُصب دماً. فإن لقي الله تعالى مقترفاً قتل نفس بغير حق فإثمه عظيم وعقابه بين يدي الله أليم ذلك أن أولَّ ما يُنظر فيه يوم القيامة الدماء. فتأمل نَصَّ الحكم في قانون العقوبات المترتبة على قتل العباد كما ورد في قول الله وقول رسول الله (صلى الله عليه وأله وسلم) وعلماء المسلمين:

أولاً : عقوبة جريمة قتل النفس في القرآن الكريم:

  • لمَّا كانت كبيرة قتل النفس من أكبر الكبائر بعد الشرك بالله لِمَا تمثله من هدم وخراب وفساد للكون والبشرية كلها، فإن القرآن الكريم يقص علينا نبأ أول جريمة اعتداء على نفس إنسانية عندما قتل قابيلُ هابيلَ، حين غلبت عليه شقوته وطوعت له نفسه الأمارة قتل أخيه فقتله فكان أول من سَنَّ القتل وما من جريمة قتل تقع على الأرض إلا كان لهذا القاتل كفلٌ منها.

القاتل يركب أحموقته وجهالته، وبدافع الحسد والغيرة ووسوسة الشيطان وتسويل النفس يتهدد أخاه بالقتل، ليكون من الخاسرين.

بينما المقتول وقد ألهمه الله تعالى سبيل الحكمة والنجاة: قال:

[ لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِي إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسه قَتْل أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنْ الْخَاسِرِينَ ]
(سورة المائدة 28-30).

  • ومن أجل هذا وحتى لا تتكرر هذه الجريمة بين بني البشر، جَعَلَ الله تعالى “النفس الإنسانية الواحدة مقابل: أنفس الإنسانية كلها، فقال تعالى:

[ مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ]
(المائدة 32).

  • إن آية في كتاب الله عز وجل، تكاد السموات يتفطرن من هولها وتنشق الأرض وتخر الجبالُ هَدَّا، ولو لم يُورد القرآنُ غيرَها لكانت أبلغ زاجر ورادع للكف عن قتل إنسان … مطلق إنسان فضلاً عن أي يكون مسلماً، حيث قرن الله تعالى القتل بالشرك – وأن جزاء القاتل جنهم – وأنه خالدٌ فيها – وأن له عذاب عظيم – وأن مع هذا الخلود والعذاب العظيم غضب الرَّب جَلَّ وعلا، والتوعد باللعن وهو الحرمان والطرد من رحمة الله سبحانه. فقال تعالى:

[ وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ] (النساء 92).

ثانياً: عقوبة القتل في السنة النبوية المطهرة:

السنة النبوية هي المصدر الثاني للتشريع بعد القرآن الكريم: ولقد وردت عشرات الأحاديث الصحيحة التي تُجرّم وتُحرّم قتل النفس الإنسانية التي هي ملك لله وحده بل وحرَّمت ترويع المسلم وتخويفه فضلاً عن قتله ونورد بعضاً منها.

  1. قوله (صلى الله عليه وأله وسلم): إذا أصبح إبليسً بَثَّ جنوده فيقول: من أضَلَّ اليوم مسلماً ألبستهُ التاج قال فيجيء هذا فيقول: لم أزل به حتى عَقًَّ والديه فيقول: يوشك أن يبرهما، ويجيئ هذا فيقول: لم أزل به حتى قتل فيقول أنتَ أنتَ ويُلبسُه التاج “رواه ابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه”.

فتأمل كيف سُرَّ إبليس وقرت عينُه بجريمة القتل وكيف كرَّم وتوَّج القاتل وألبسه التاج.

  1. الحديث: كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجلُ يموت كافراً، أو الرجل يقتل مؤمناً متعمّداً “رواه أحمد والنسائي”.

  2. الحديث: من أعان على قتل مؤمن بشَطْر كلمة ليق الله تعالى مكتوبٌ بين عينيه آيسٌ من رحمة الله (رواه أكثر من واحد ولكنه ضعيف).

  3. الحديث: أبى الله أن يجعل لقاتل المؤمن توبة (أبو داوود والنسائي وأحمد وهو صحيح).

  4. الحديث: لزوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير حق (البيهقي والنسائي وهو صحيح).

ولو أن أهل سماواته وأهل أرضه اشتركوا في دم مؤمن لأدخلهم الله النار “مسلم – والبيهقي – والنسائي والترمذي: بروايات متعددة”.

  1. الحديث: من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه حتى ينتهي وإن كان أخاه لأبيه وأمه (مسلم وغيره).

  2. الحديث: من قال لا إله إلا الله: وكفر بما يُعبد من دون الله، حَرُمَ مالُه ودمُه وحسابه على الله تعالى “أصحاب السنن”.

  3. الحديث: من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله، وذمة رسوله فلا تخفروا الله في ذمته (البخاري وغيره).

وحسبنا هذان الحديثان التي تحرم قتل المسلم حتى وإن كان كاذباً أو منافقاً أو مخادعاً.

  1. حديث المقداد بن عمرو قال: قلتُ يا رسول الله: أرأيت إن لقيتُ رجلاً من الكفار فاقتتلنا، فضرب إحدى يَديَّ بالسيف، فقطعها، ثم لاذ مِنّي بشجرة فقال: أسلمتُ لله، ألا أقتله يا رسول الله بعد أن قالها؟ فقال: “لا تقتله” فقلتُ يا رسول الله: قطع إحدى يدي، ثم قال ذلك بعدما قطعها؟ فقال: لا تقتله فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله “أي أنه مسلم معصوم الدم”. وإنك بمزلته قبل أن يقول كلمتُه التي قال ((البخاري ومسلم وغيرهما)).

ولو لم يرد غير هذا الحديث لكان هذا أعظم زاجر على حرمة دم المسلم.

  1. حديث: أسامه بن زيد المتفق عليه، قال:

“بعثنا رسول الله (صلى الله عليه وأله وسلم) إلى بَطْن من جهينة فصبَّحنا القوم على مياههم، ولحقتُ أنا ورجلٌ من الأنصار رجلاً من المشركين، فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله، فكفَّ عنه الأنصاريُّ وطعنتُه برمحي حتى قتلتُه، فلما قدما المدينة بلغ ذلك النبِّي (صلى الله عليه وأله وسلم) فقال لي: يا أسامه أقتلتَه بعدما قال: لا إله إلا الله؟ قلت: يا رسول الله إنما كان متعوذاً، فقال: أقتلتَه بعدما قال: لا إله إلا الله؟ فمازال يكررها عليَّ، حتى تمنَّيتُ أني لم أكن أسلمتُ قبل ذلك اليوم.

وفي رواية أنه قال له: فماذا تصنع بلا إله إلا الله يوم القيامة.

ثالثاً: أقوال الأئمة الأعلام في حكم قاتل النفس:

وبعد قول الله وقول رسول الله لا نطلب قولاً ولا نلتمس دليلاً: حيث وردت في القضية الآيات المحكمة والأحاديث الصحيحة الصريحة.

وحتى لا يطالعنا ذو علمٍ عقيم أو عقل سقيم بمفاهيم خاطئة وتأويلات باطلة لهذه النصوص القرآنية والأحاديث النبوية نورد بعضاً من أقوال الأئمة الأعلام في حكم الشقي الآثم الذي يستحل دم المسلم المقر بالشهادتين.

  1. أورد ابن المنذر فقال: من قال لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ولم يزد على ذلك شيئاً أنه مسلم “الإجماع ص 76”.

  2. القرافي من علماء المالكية: ليس إراقة الدماء بسهل ولا القضاء بالتكفير “الذخيرة 12/37”.

  3. إجماع أهل العلم على أن “سباب المسلم فسوق وقتاله كفر” أن المعنى: الفسوق لا يخرج صاحبه من الإسلام ولا يحل قتله، وأن قتال المسلم عملٌ من أعمال الكفر في الجاهلية أو أن الكفر لمن يستحله.

  4. ما رواه القرطبي وغيره: أن عمر بنَ الخطاب رضي الله عنه: قال بعد طعنه في المسجد وقد علمَ أن محاولة اغتياله كانت على يدِ غلام مجوسي: الحمد لله الذي لم يجعل قتلي على يدِ رجل يحاجُّني بلا إله إلا الله: المعنى: إذا كان صاحب لا إله إلا الله له حجة، بحيث لو قتل الفاروق خليفة المسلمين فأمر أهل التوحيد إذن أسهل فتأمَّل …

  5. ابن حزم في الصواعق الجزء الثالث ونقله لأقوال العلماء.

  6. ابن عينية: لأن تأكل السباع لحمي أحب إليَّ من أن ألقى الله تعالى بعداوة من يدين له بالوحدانية ولمحمد (صلى الله عليه وأله وسلم) بالنبوة: لاحظ عداوة فضلاً عن القتل ولو راجعت أمَّهات الكتب المعتبرة عند أهل السنة في [التفسير أو الأحاديث أو الفقه لوجدت عشرات الأقوال لأئمة المسلمين، التي تقطع بأن المسلم لا يُكفَّر إلا فيما أجمع عليه علماء الأمة أنه كفر، كما حكموا بنجاة من أقر بالشهادتين اعتماداً على الأحاديث الصحيحة التي نصت على ذلك.

هذا وبالله التوفيق وهو الهادي لسواء السبيل

تاج الدين الهلالي

0 Comments

Leave a reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

© [السنة الحالية] ALWASATEIA | مشغل بواسطة

Log in with your credentials

Forgot your details?