فتنة التكفير (6)ندرأ الحدودَ بالشُّبهات أفلا نَدرأُ دمَ المسلم بالشُّبهات. الشيخ تاج الدين الهلالى

فتنة التكفير (7)ندرأ الحدودَ بالشُّبهات أفلا نَدرأُ دمَ المسلم بالشُّبهات. الشيخ تاج الدين الهلالى

ندرأ الحدودَ بالشُّبهات أفلا نَدرأُ دمَ المسلم بالشُّبهات

لقد أجمع أهلُ العلم على قاعدة فقهية أصولية مُسْتَنْبَطة ومستوحاةٍ من حديث نبوي صحيح وهي [إدرأوا الحدودَ بالشُّبهات] وذلك بالتماس عذرٍ أو شبهة تصون وتحمي المسلم الذي اقترف جريمةَ كبيرة من الكبائر تستوجب إقامة الحد الذي أوجبه الله تعالى بحق مرتكبها ومن ثم فإنهم قالوا إذا صدر عن مسلمٍ قولٌ أو فعلٌ يستلزم الخطأ أو الكفر من 99 وجهاً ويحتمل الصواب والإيمان من وجه واحد حملناه على الوجه الواحد الذي يُبقي المسلم في دائرة الإسلام والإيمان، فيَحُرم بهذا الوجه دمه ومالُه وعرضُه.

ودليلهم وأسوتهم في ذلك هو موقف رسول الله (صلى الله عليه وأله وسلم) من الصحابي/ ماعز بن أقرن عندما أتاه معترفاً بارتكاب جريمة الزنا. وهي إثم كبير له حَدُّه وعقوبته في كتاب الله تعالى.

فما كان من أمر رسول الله (صلى الله عليه وأله وسلم) إلا أن حاول أن يُوجد له شبهةً تدرأ عنه عقوبة الحد فقال له: لعلك قبَّلت أو فخَّذتَ؟ أي لعلك فعلتَ من المحرمات ما لم يبلغ حد الزنا الكامل الموجب للحد … إلى آخر ما كان من إصرار الرجل على الاعتراف، والاعتراف سيدُ الأدلة كما يقول القانونيون.

فإذا كانت الحدود تُدرأ بالشبهات أفلا تكون هذه القاعدة أصلاً في درأ استحلال الدماء وقتل الأبرياء بقواعد وأصول قَعَّدناها من عندياتنا ما أنزل الله بها من سلطان؟؟

التكفير إثم عظيم وخطرٌ جسيم

ما أجمع علماء الأمة خلفاً عن سَلَفٍ إجماعهم على حرمة تكفير المسلم الذي ينطق بالشهادتين وهذه أقوال مختصرة لأئمة علماء المسلمين في جميع المذاهب الإسلامية.

  • أبو جعفر الطحاوي في العقيدة الطحاوية: باب عقيدة أهل السنة والجماعة “ص 20-21” ونسمي أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين. ما داموا بما جاء به النبي (صلى الله عليه وأله وسلم) معترفين وله بكل ما قاله وأخبر مصدقين … ولا نكفر حداً من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله.

  • ابن حزم في الملل والنحل “الجزء 3/290 وما بعدها” باب فيمن يُكَفَّر ولا يُكَفَّر اختلف الناس في هذا الباب فذهبت طائفة إلى أن من خالفهم في شيء من مسائل الاعتقاد أو في شيء من مسائل الفتيا فهو كافر، وذهبت طائفة إلى أنه كافر في بعض ذلك فاسقٌ غير كافر في بعضه على حسب ما أدتهم إليهم عقولهم وظنونهم. وذهبت طائفة إلى أن من خالفهم في مسائل الاعتقاد فهو كافر وأن من خالفهم في مسائل الأحكام والعبادات فليس كافراً ولا فاسقاً ولكنه مجتهد معذور إن أخطأ مأجورٌ بنَّيته … الخ.

وبعد أن نقل ابن حزم هذه الأقوال: ذكر رأيه ورأي كبار علماء أهل السنة فقال: وذهبت طائفة إلى أنه لا يُكفَّر ولا يُفَسَّق مسلمٌ بقولٍ في اعتقاد أو فتيا … وهذا قول ابن أبي ليلى، وأبي حنيفة والشافعي، وسفيان الثوري، وداوود بن علي رضي الله عنهم أجمعين وهو قول كل من عرفنا له قولاً في هذه المسألة من الصحابة رضي الله عنهم لا نعلم منهم في ذلك خلافاً أصلاً.

ثم ذهب إلى أبعد من ذلك إلى تضعيف حديث (الفِرَق) وحديث [القدرية والمرجئة مجوس هذه الأمة]. وقال: هذان حديثان لا يصحان أصلاً من طريق الإسناد. وعلى فرضية من يقول بصحتهما، فإن خبر الواحد لا يصح الاجتهاد به في قضايا الاعتقاد.

كما أن [السرخسي] الذي هو من أجل أصحاب أبي الحسن الأشعري: أخبر بما يلي: لما حضرت الشيخ/ أبا الحسن الأشعري الوفاة بداري في بغداد أمرني بجمع أصحابه فجمتُهم له. فقال: اشهدوا عليَّ أنني لا أكفر أحداً من أهل القبلة بذنب لأني رأيتُهم كلَّهم يشيرون إلى معبود واحد والإسلام يشملهم ويعمهم (خاتمة الصواعق – والشعراني في المَواقيت والجواهر ص 58).

  • ذكر المُلاَّ على القاري: في شرحه لكتاب أبي حنيفة “الفقه الأكبر” ص 425 وفي مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ج 1 ص 284.

بعد أن شرح قاعدة: لازم المذهب ليس بلازم: وبعد إيراد أقوال علماء أهل السنة حول التكفير. ثم جمع بينها فقال: والقول المعتمد هو عدم جواز تكفير أهل القبلة حتى وإن (وُصِفوا بالضلال) إلا أنهم لم يقصدوا بما قالوه اختيار الكفر، ويشمل ذلك مسألة خلق القرآن ونفي رؤية الله تنزيها لله أو من ينال من الشيخين “لا سمح الله” كما نصَّ على ذلك القاضي عياض في كتاب [الشفا] الباب الأول: أن الكفر لا يستحقه إلا من سَبَّ رسول الله (صلى الله عليه وأله وسلم) فراجعه.

وعن الأوزاعي قال: والله لئن نُشرتُ لا أقول بتكفير أحدٍ من أهل الشهادتين.

وعن ابن سيرين: أهل القبلة كلهم ناجون:

وسئل الحسن البصري عن أهل الأهواء؟ فقال: جميع أهل التوحيد من أمة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم، يدخلون الجنة البَتَّة.

وسئل الزهري عَمَّنْ: لابس الفتن وقاتل فيها “أي زمن الصحابة” فقال القاتل والمقتول في الجنة، لأنهم (متأولون)” ومن أهل لا إله إلا الله. “راجع الملل والنحل”.

  • سئل شيخ الإسلام/ تقي الدين السبكي: أحد كبار الشافعية: عن حكم تكفير المسلم: فقال: اعلم يا أخي أن الإقدام على تكفير المؤمنين عسيرٌ جداً وكل من في قلبه إيمان يستعظم القول بتكفير أهل الأهواء والبدع مع قولهم “لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله” فإن التكفير أمرٌ هائل عظيم الخطر لأن التكفير لا يكون إلا لمن اختاره ديناً وجحد الشهادتين وخرج عن دين الإسلام جملة. “راجع اليواقيت والجواهر للشعرالي”.

  • مذهب الحنفية:

  • البحر الرائق 5/125: والذي تحرر أنه لا يُفتى بتكفير مسلم أمكن حَمْلُ كلامه على محمل حسن، أو في كفره اختلاف ولو في رواية ضعيفة.

  • نفس المرجع ص 124: لا يخرج الرجل من الإيمان إلا بجحود ما أدخله فيه، ثم ما تُيقن أنه ردة يحكم به. وما يُشكك أنه ردة لا يحكم به إذ الإسلام الثابت باليقين لا يزول بالشك.

  • الدر المختار: ج 4 / 224: الكفر شيء عظيم: فلا أجعل المؤمن كافراً متى وجدتُ رواية أنه لا يكفر، ولا يُكفَّر بالمحتمل: لأن الكفر نهاية في العقوبة. فيستدعي نهاية في الجناية، ومع الاحتمال لا نهاية.

  • مذهب المالكية:

  • قال القرافي (في الذخيرة) ليس إراقة الدماء بسهل ولا القضاء بالتكفير.

  • مذهب الشافعية:

  • الغزالي: إن استباحة الدماء والأموال من المصلين إلى القبلة والمصرحين بقول لا إله إلا الله محمد رسول الله، خطأ عظيم، والخطأ في ترك ألف كافر في الحياة أهون من الخطأ في سفك محجمة من دم مسلم.

  • مذهب الحنابلة:

ابن تيمية (الفتاوى الكبرى 3/282):

ولا يجوز تكفير المسلم بذنب ولا بخطأ أخطأ فيه كالمسائل التي يتنازع فيها أهال القبلة … إنّي من أعظم الناس نَهْيَّاً عن أن يُنسب مُعَينٌ إلى تكفير أو تفسيق أو معصية إلا إذا عُلم أن قد قامت عليه الحجة والرسالة …

فمن كان من أهل الإسلام، وينتمي إلى أهل السنة والجماعة فهذه هي أقوال وآراء الثقاة من علماء وأئمة المذاهب جميعها.

فأين تذهبون؟ وأيَّ دين تتبعون؟ وأي طريق تسلكون؟

0 Comments

Leave a reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

© [السنة الحالية] ALWASATEIA | مشغل بواسطة

Log in with your credentials

Forgot your details?