عناصر وحدة الأمة الإسلامية بين النظرية والتطبيق . الوسطية

عناصر وحدة الأمة الإسلامية بين النظرية والتطبيق  

إن المجتمع الإسلامي هو مجتمع الفضيلة، لأنه مجتمع الكرامة والعزة، ولا كرامة للإنسان ولا عزة له ما لم يتمتع بخلق عظيم، خلق يرقى بإنسانيته، ويحفظ عليه منزلته ورسالته في الحياة .

ودعامة الفضيلة لا تستلزم بالضرورة زوال الخطأ والخطائين، وإلا لاستبعدت أحكام العقوبات التي قررها الإسلام، فهى تعنى أن المجتمع لا يخلو من عثرات وهفوات وأن الإنسان لضعفه قد يزل في بعض الأحيان، وإنما تشير تلك الدعامة إلى أن يسود المجتمع طابع الفضيلة والخير لا أن يتنزه عن جميع السيئات.

ومجتمع تحكمه وحدة العقيدة ووحدة الغاية ووحدة الفكر، وكل أفراده سواء في الحقوق والواجبات، وبينهم تكافل مشترك، ويتمتع الجميع بمستوى لائق من العيش، ولا يعرفون صراعًا طبقيًا أو عرقيًا، كما لا يعرفون سلبية أو فردية، وهم على خلق عظيم، يكون مجتمعًا تسوده العدالة، فلا محاباة ولا ظلم ولا فرق بين غنى وفقير، وقوى وضعيف، وحاكم ومحكوم.

 

 

إن المجتمع الإسلامي مجتمع عادل، فكل من يستظل بظله ويعيش في كنفه آمنًا على حياته وحقوقه، لا يخاف اعتداء أو جورًا، وكل من يتعامل معه من المجتمعات الأخرى لا يخشى منه غدرًا ولا نكثًا لعهد، فالإسلام دين العدل والحق مع الجميع .

وتأتى دعامة القوة لتكون المحصلة لسواها من الدعائم، وهى قوة شاملة، قوة الإيمان والأبدان والتراحم والتعاطف والعمل والإنتاج وإحقاق الحق وبسط العدل وسيادة الفضيلة، وقوة الإعداد العسكري الذي يلائم الزمان والمكان حتى لا تكون فتنة، ويكون الدين كله لله . إن القوة بهذا المفهوم الشامل دعامة لا تنفك ملازمة للمجتمع الإسلامي، حتى يكون جديرًا بمنزلة القيادة والريادة والخيرية، يقول الله تعالى : ) وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ ( [الأنفال : الآية 60] .  

تأمر هذه الآية المؤمنين بإعداد القوة بما في الطوق، فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها والقوة هنا عامة تشمل كل ألوان القوة وأسبابها، وجاء النص على رباط الخيل ؛ لأنه كان الأداة البارزة عند الذين خاطبهم القرآن أول مرة، ولو أمرهم بإعداد أسباب لا يعرفونها في ذلك الحين مما سيوجد مع الزمن لخاطبهم بمجهولات محيرة تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا .

والقوة التي أمر الإسلام بإعدادها ليست قوة باغية أو مفسدة ومدمرة، ولكنها قوة تحمى الحق وتنصر الخير وتقاوم الشر، فهي في أهدافها ومهمتها لا تخرج عما يلي كما أشارت تلك الآية الكريمة :

أولاً : تأمين الذين يختارون العقيدة الإسلامية على حريتهم في اختيارها فلا يُصدون عنها ولا يُفتنون كذلك بعد اعتناقها .

ثانيًا : إرهاب أعداء الإسلام، فلا يفكرون في الإعتداء على داره التي تحميها تلك القوة .

ثالثًا : وليس إرهاب هؤلاء الأعداء لمنعهم من الاعتداء على المسلمين فحسب، ولكن أيضًا للحيلولة بينهم وبين الوقوف في وجه المد الإسلامي، وهو ينطلق لتحرير الإنسان في كل مكان .

رابعًا : تحطيم كل قوة في الأرض تتخذ لنفسها صفة الألوهية، فتحكم الناس بشرائعها وسلطانها، ولا تعترف بأن الألوهية لله وحده، والحاكمية لله وحده .

ولما كان إعداد القوة يقتضى أموالاً فقد اقترن الأمر بالإعداد بالدعوة إلى إنفاق المال في سبيل الله ) وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ ( [الأنفال : الآية 60] .

فالقوة الإسلامية ليست غايتها مصلحة دنيوية، وإنما هى قوة تمكين لكلمة الحق، قوة ترهب أعداء الله الذين هم أعداء المسلمين، وأعداء الحياة …

وبعد فإن مجتمعا ينهض على تلك الدعائم يكون بلا مراء مجتمعا فريدًا بين المجتمعات البشرية، فريدًا في قيمه ومبادئه، ومثله وغاياته، مجتمعا قويًا في عقيدته ووحدته وأخلاقه، مجتمعا قويا في جهاده واستعداده وانتاجه، مجتمعا مستقرا، الكل فيه آمن مطمئن، والكل فيه لا يفتر عن الإنتشار في الأرض طلبا لأنعم الله، والكل فيه أخوة متساوون في الحقوق والواجبات متآزرون متكافلون في السراء والضراء، فلا غرو في أن يكون هذا المجتمع بتلك الخصائص والسمات خير المجتمعات وأن تكون الأمة الإسلامية خير أمة أخرجت للناس .

لقد كان المجتمع الإسلامي بتلك الدعائم عبر تاريخه المثل الأعلى لغيره من المجتمعات، فلما فرط في هذه الدعائم أو جلها فقد منزلته، وذهب ريحه، وطمع فيه من كان يخطب وده ويخشى بأسه، وهو لن يسترد ما ضاع منه أو يصبح بحق القدوة لغيرة إلا إذا اعتصم بأسباب عزته وقوته التي جاء بها وحى الله، وكل جهد يبذل في سبيل النهوض بهذا المجتمع بعيدًا عن تلك الأسباب والدعائم جهد ضائع لا يجدي نفعًا، بل يزيد من بلاء المجتمع الإسلامي وضعفه وتخلفه .

وصدق الله العظيم إذ يقول : ) وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( [الأنعام : الآية 153] .

 

أ.د. محمد الدسوقى

أستاذ الدراسات العليا قسم الشريعة

كلية دار العلوم – جامعة القاهرة

0 Comments

Leave a reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

© [السنة الحالية] ALWASATEIA | مشغل بواسطة

Log in with your credentials

Forgot your details?