شبهات القرآنيين حول السنة النبوية الأستاذالدكتور. محمود محمد مزروعة عميد كلية أصول الدين والدعوة الإسلامية

 

شبهات القرآنيين حول السنة النبوية

الأستاذالدكتور. محمود محمد مزروعة عميد كلية أصول الدين والدعوة الإسلامية

التعريف بالسنة النبوية{2}

أولاً: السنة في اللغة، هي: الطريقة، وهي السيرة حميدة كانت أو غير حميدة. ومن ذلك قول الرسول – صلى الله عليه وسلم – “من سنّ سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سنّ سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة”. مسلم . وسنة الله – تعالى – في خلقه: حكمه – سبحانه – في خلقه، وما عودهم عليه .

وذلك كقولهم: سنة الله في خلقه أن يمهل العاصي لعلّه يتوب ويرجع.
ثانياً: السنة في الاصطلاح: يختلف معنى السنة في الاصطلاح حسب تخصص المصطلحين وأهدافهم واهتماماتهم. فهناك المحدِّثون، وهناك الأصوليون، وهناك الفقهاء.
أما علماء الحديث أو المحدِّثون فإنما يبحثون في السنة عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – الإمام الهادي، النبي الرسول، الذي أخبرنا ربنا – سبحانه وتعالى – أنه أسوتنا وقدوتنا، ومن ثم فقد نقلوا كل ما يتصل به – صلى الله عليه وسلم – من أقوال وأفعال وتقريرات، سواء أثبت ذلك حكما شرعياً أم لم يثبت. كما نقلوا عنه – عليه الصلاة والسلام – أخباره وشمائله وقصصه وصفاته خَلْقاً وخُلُقاً. وهذا ما التأمت عليه كتب الحديث، وأنتجته مجهودات المحدثين. ومن هنا فقد عرفوا السنة بأنها: “كل ما أثر عن النبي –
  صلى الله عليه وسلم – من قول أو فعل أو تقرير، أو صفة خَلْقِية أو خُلُقية، سواء كان ذلك  قبل البعثة أو بعدها وأما علماء الأصول، فإنما يبحثون في السنة عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – المشرع الذي يضع القواعد، ويوضح الطريق أمام المجتهدين من بعده، ويبين للناس دستور الحياة، فاهتموا من السنة بأقوال النبي – صلى الله عليه وسلم – وأفعاله وتقريراته التي تستقي منها الأحكام على أفعال العباد من حيث الوجوب والحرمة والإباحة، وغير ذلك. ولذلك عرفوا السنة بأنها: (ما نقل عن النبي – صلى الله عليه وسلم – من قول أو فعل أو تقرير “. مثال القول، قوله – عليه الصلاة والسلام: – “إنما الأعمال بالنيات” البخارى . ومثال الفعل، ما نقل إلينا من فعله – صلى الله عليه وسلم – في الصلوات من وقتها وهيئتها. ومناسك الحج وغير ذلك. ومثال التقرير، إقراره – عليه الصلاة والسلام – لاجتهاد الصحابة في أمر صلاة العصر في غزوة بني قريظة حيث قال لهم: “لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة” . البخارى  ، ففهم بعضهم النهي على ظاهره فأخَّر الصلاة فلم يصلِّها حتى فات وقتها، وفهم بعضهم أن المقصود حث الصحابة على الإسراع، فصلوها في وقتها قبل الوصول إلى بني قريظة. وبلغ النبي – صلى الله عليه وسلم – ما فعل الفريقان   

فأقرهما جميعا  . وأما علماء الفقه فيبحثون في السنة عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – الذي لا تخرج أقواله وأفعاله عن الدلالة على حكم من الأحكام الشرعية. ومن هنا كانت السنة عندهم هي : “ما أمر به النبي – صلى الله عليه وسلم – أمراً غير جازم”. أو “ما ثبت عن النبي – صلى الله عليه وسلم – من غير افتراض ولا وجوب”. أو “ما في فعله ثواب، وفي تركه ملامة وعتاب لا عقاب”. وهي تقابل الواجب وغيره من الأحكام الخمسة لدى الفقهاء – وقد تطلق السنة عندهم على ما يقابل البدعة، فيقال: فلان على سنة إذا كان يعمل على وفق ما كان عليه النبي – صلى الله عليه وسلم – ويقال: فلان على بدعة، إذا عمل على خلاف ذلك. ويطلق لفظ السنة عندهم – كذلك – على ما عمل عليه الصحابة – رضوان الله عليهم – وجد ذلك في القرآن المجيد أو لم يوجد، لكونه اتباعاً لسنة ثبتت عندهم، لم تنقل إلينا، أو اجتهاداً مجتمعاً عليه منهم أو من خلفائهم. لقوله – صلى الله عليه وسلم: – “عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ” أبوداود .
هذه معاني السنة، أو تعريفاتها والمراد بها في مصطلح العلماء، وقد تبين لنا أن علماء كل فن أو علم من العلوم لهم اهتمام وعمل في السنة يتناسب مع اهتمامهم، ويحقق ما يهدفون إليه فى علومخم دون أن تتعارض هذه العلوم، فالحق أنها كلها في خدمة السنة النبوية وتيسير التعرف عليها والعمل بها، ومن أشرف أهداف القائمين على هذه العلوم هو جمع السنة النبوية وتمحيصها، وتنقيتها مما قد يكون دخيلاً عليها، ثم الدفاع عنها ضد الشاغبين عليها، المعارضين لها، الساعين إلى طرحها والاقتصار في التشريع الإسلامي على مصدر واحد هو القرآن العظيم   وإذا كنا قد أشرنا إلى عدد من تعريفات العلماء للسنة النبوية الشريفة، فإن التعريف الذي يتوافق مع بحثنا هذا إنما هو تعريف الأصوليين تحديداً، لأنهم الذين يعنون – بالدرجة الأولى – ببيان حجية السنة، ومكانتها من التشريع، وسوق الأدلة على ذلك. وإن كان المحدثون والفقهاء لم يحرموا أجر البحث في هذه الجوانب، ولم يقصروا في بذل المجهود في سبيلها.

 

 

  مكانة السنة النبوية من التشريع وأدلة حجيتها
أولاً: مكانة السنة النبوية الشريفة من التشريع
إن السنة النبوية الشريفة هي المصدر الثاني للتشريع الإسلامي. وهذه حقيقة لا يعارضها أو يشغب عليها إلا شقي معاد لله ولرسوله وللمؤمنين، مخالف لما أجمعت عليه الأمة سلفاً وخلفاً وحتى قيام الساعة – بحول الله تعالى.
ذلكم أن المقرر لدى الأمة المسلمة أن الوحي المنزل على الرسول – صلى الله عليه وسلم – من قبل الله – سبحانه – نوعان: الأول: هو القرآن العظيم، كلام الله سبحانه – المنزل على رسوله – صلى الله عليه وسلم – بلفظه ومعناه، غير مخلوق، المتعبد بتلاوته، المعجز للخلق، المتحدي بأقصر سورة منه، المحفوظ من الله – تعالى – أن يناله التحريف، المجموع بين دفتي المصحف الشريف. أما النوع الثاني من الوحي: فهو السنة النبوية المطهرة بأقسامها القولية والفعلية والتقريرية، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم – هي من وحي الله – عز وجل – إلى رسوله – صلى الله عليه وسلم – باتفاق الأمة المسلمة، وذلك لما قام الدليل من كتاب الله – تعالى – على ذلك في آيات كثيرة، ثم لما صرحت به السنة النبوية، ثم لما أجمع عليه الصحابة والتابعون وتابعوهم إلى يوم الدين – بحول الله تعالى.
وإذا كان الشاغبون على سنة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يزعمون أنهم يستمسكون بالقرآن المجيد مكتفين به عن السنة، فلنذكر بعض

 ما جاء به القرآن الكريم

 من الآيات البينات التي تشهد وتصرح بأن السنة وحي من عند الله – سبحانه- إلى رسوله – صلى الله عليه وسلم –

 ثم الآيات التي تصرح بوجوب طاعته- صلى الله عليه وسلم – ووجوب حبه، ووجوب اتباعه، ووجوب الاحتكام إليه والتسليم له في كل ما يحكم به، لنا كان الحكم أو علينا، إلى غير ذلك.
فمن الآيات القرآنية التي تدل على أن السنة وحي قول الله – عز وجل – {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} (النجم:3-4) وهذه الآية نص قاطع في أن الرسول – صلى الله عليه وسلم – لا يأتي بشيء من عنده، وأن كل ما ينطق به في مجال التشريع إنما هو وحيٌ من عند الله – تعالى – سواء كان وحياً من النوع الأول وهو القرآن، أو من النوع الثاني وهو السنة النبوية.

 

0 Comments

Leave a reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

© [السنة الحالية] ALWASATEIA | مشغل بواسطة

Log in with your credentials

Forgot your details?