خطورة التكفير .  سماحة الشيخ تاج الدين الهلالى

خطورة التكفير

 سماحة الشيخ تاج الدين الهلالى

مفتى قارة استراليا الأسبق

 

 

الحمد لله الذين بعث نبيه محمًّدا صلى الله عليه وآله وسلم بكلمة التوحيد لتوحيد الكلمة. ليخرج به الناس من الظلمات إلى النور ومن عبادة العباد إلى عبادة رب العباد.

وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله سيدنا محمد المبعوث بالحنيفية السمحة بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة بإذن ربه وسراجاً منيراً وعلى آله الأطهار. وصحبه الأبرار ومن دعا بدعوتهم وتخلق بأخلاقهم إلى يوم الدين.

 

وبعد

أخي في الله: أخاطبك على لسان نبيك المصطفى e القائل:

  • إن الدين يسر ولن يُشَادَّ الدين أحدٌ إلا غلبه، فسددوا، وقاربوا، وأبشروا (البخاري)

  • إن هذا الدين متين، فأوغل فيه برفق، فإن المنبَتَّ لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى. (البيهقي، والبزار)

ولقد شرَّفنا الله تعالى بالانتساب إلى دين الإسلام، وآخى بيننا برباط الإيمان. وأخوة الدين ورابطة العقيدة أقوى من روابط وأواصر الدم والعرق والنسب. فاجعل نُصب عينيك دائما قوله تعالى: ]إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَة[ 10 الحجرات

 وقول نبيك المصطفى e المسلم أخو المسلم أحب أم كره. فلا تسمحَنَّ بحال من الأحوال لنوازع النفس ووساوس الشيطان أن تتخذ من الخلافات الفقهية وسيلة لمعاداة إخوانك في الدين. ونبذهم بسيئ الألقاب تارة وبالتكفير والتفسيق والتبديع تارة أخرى.

فهذه هي الحالقة التي تحلق الدين من القلوب. فتتعادى وتتنافر وتتباغض فتَقَر لذلك أعين أعداء الدين. حين يرون المسلمين شيعاً وجماعات وأحزاباً كل حزب بما لديهم فرحون.

أخي في الله إن ديننا الحنيف. تجسده عقيدة صحيحة، والعقيدة الصحيحة تجسدها عبادة صحيحة. والعبادة الصحيحة تجسدها أخلاق صحيحة. والأخلاق  الصحيحة يجسدها سلوك صحيح ومعاملة صحيحة.

فتأمل هذه الثنائية التي تدل ثانيتها على صحة أولاها.

فالدين المعاملة، والأخلاق الفاضلة التي من أهم لوازمها (الحبُّ في الله) وهي ثمرة هذا الدين. ولقد لَخَّص نبي الرحمة e أهداف بعثته فقال إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق.

ويمدحه ربه فيقول: ]وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ[ 4 القلم . فعلى كل مسلم يعلم أنه مكلَّفٌ بتبليغ دعوة الله عز وجل. بنص الوصية النبوية التي سجلها القرآن الكريم.

]قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ[108 يوسف  أن يتصف أول ما يتصف بالخلق الحسن. والسلوك الحسن. مع كافة عباد الله. متحلياً باللين والشفقة والرحمة والنظرة الحانية. وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً . 83 البقرة

]وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ[ 159 آل عمران

]اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى[ 143 طه

وفي الحديث: [ أقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحسنكم أخلاقاً. المُوَطَّؤون أكنافا. الذين يألفون ويُؤلفون].الترمذى

أخي في الله لعلك توافقني الرأي أن الأمَّة الإسلامية مستهدفةٌ من جميع أعدائها الذين يتربَّصون بها الدوائر ويكيلون لها الفتن والمؤامرات والدسائس لتمزيق صفها، وإضعاف قوتها، وسلب كرامتها، وإذلال شعوبها، وإلغاء دورها وتهميش حضورها.

أنَّي اتجهت إلى الإسلام في بلد     

تجده كالطير مقصوصاً جناحاه

ولن يسترد المسلمون كلمتهم وهيبتهم وكرامتهم، إلا بالإعتصام بحبل ربهم والعمل على جمع كلمتهم وتوحيد صفوفهم.

كيف لا وقد أمرنا الله تعالى بالإعتصام، والتعاون، والتآخي. في آيات محكمات من آي الذكر الحكيم.

نعم، أخي الحبيب .

 الكفر كله قد أعلنها حرباً شعواء لا هوادة فيها ضد الإسلام والمسلمين حرباً عسكرية، وفكرية، وإعلامية، واقتصادية.

ترى ما هو الواجب علينا نحو إسلامنا الذي أثخنته الجراح الغائرة النازفة؟ إن أقَلَّ ما يجب علينا أن نعمل على تضميد هذه الجراح ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً وأن لا نزيد الجسد الإسلامي جروحاً وتمزيقاً بخلافاتنا وتمزقنا ورمي بعضنا البعض بالتكفير والتفسيق والتضليل والتبديع.

وأن نتفهم جيداً فقه الأولويات ونقدم الأهم فالأهم.

وفي مقدمة ذلك تحصين عقول شبابنا ضد الغزو الفكري وإنقاذهم من تيه المادية وضياع الإباحية.

فهؤلاء إن لم نسع لإنقاذهم إستقطبهم أعداؤنا بما يملكون من وسائل علمية. وإمكانات تقنية إعلامية. تجعلهم فى مقدمة المناوئين والمعارضين لأحكام دينهم.

ولو حاربَنَا أعداءُ الإسلام بجنودهم وأبنائهم لهان الخطب. ولكن أن يحاربوه بأبناء الإسلام فهذه هي الطامة الكبرى.

إن الأمة الإسلامية بحاجة إلى جهودنا. وتشابك أيدينا لأن التركة ثقيلة والمهمة شاقة. والمؤمن قليل بنفسه كثير بإخوانه.

فلنكن مفاتيح الخير، مغاليق للشر ومصابيح تضيء للمسلمين وغير المسلمين طريق الهداية والحق والنور.

أخي في الله.. إن رب العزة ينادينا: ]وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ[   الأنفال 46

إن قواعد الشريعة سمحة مرنة سهلة وسعها الله فلا تضيقوها، ويسرها فلا تعقِّدوها، وما أنزلها الله تعالى إلا لتحقيق مصالحهم وأولها الوحدة والتوحد والتآخي.

وإن تعدد الآراء في المسائل المختلف فيها لا يفسد للود قضية. ولا يحول دون الحب والاحترام والتقدير بين الأخوة المسلمين.

إن كل دعاة الإسلام على ثغرة من ثغور الإسلام ينضوون  تحت لوائه ويدافعون  عن حرماته. في حدود إمكاناتهم. وتخصصاتهم وتوجهاتهم ويعملون على عودة دولة الإسلام الضائعة المسلوبة.

وإن الالتفات عن تلك المهمة. وهذا الهدف بأن يحارب بعضنا بعضا، ويكفر المسلمون بعضهم بعضاً، ويتصفون بصفة أهل النار كلما دخلت أمة لعنت أختها. إنما هو جريمة موبقة لا تخدم إلا مصالح أعداء الإسلام.

أخي الداعية …

 أريدك أن تتيقن أنك صاحب حق وأن ما يدعون من دونه الباطل. وأن الله تعالى وعد بإظهار دينه وإعلاء كلمته. وإن الباطل مهما علا وارتفع فإنه حتماً من حيث علا سيقع ومهمتنا في هذه الظروف الصعبة التي يعيشها المسلمون.

لا تكون بإغراق المسلمين في علوم وأحكام (عالم الغيب) وإنما باستنهاضهم ليكون لهم حضورهم في (عالم الشهادة) علماً وثقافةً وفكراً وعطاءً وإنتاجاً. ولا تكون بإلهاء المسلمين بالجدل العقيم، وتصيد الأخطاء. وإثارة الأغلوطات وتجريح الأشخاص. والتطاول على العلماء الأحياء منهم والأموات.

أخي الداعية

 إني لا أرتاب في صدق إخلاصك، وسلامة نيتك، وحرصك على الذود عن صفاء عقيدتك وسنة نبيك e. وترى من واجبك إنكار المنكر وإن الساكت عن الحق شيطان أخرس.

ولكن الخطأ يكمن في تشددك وتعصبك لرأي شرعي واحد. قصرت الحق عليه وأن ما عداه هو الباطل والضلال.

وحسن ظني بك أنك ضيقت واسعاً. وعلمت شيئاً وضاعت عنك أشياء وأنك قد اعتقلت عقلك في هذا الحيز الضيق ظنا أن هذا هو كل الإسلام.

واعلم أنك لو اطَّلعت على آراء وأدلة مخالفيك لالتمست لهم العذر وحسَّنْتَ بهم الظن.وما بلغ بك التعصب إلى درجة التكفير أو التبديع ولا يزال المرء عالماً ما طلب العلم. فإن ظن أنه قد علم فقد جهل وفوق كل ذي علم عليم.

وختاماً أخي الحبيب

إلامَ الخلاف على ذي (الفروع)

     وكلٌّ ينافحُ عن مَذْهَبهْ

وليس الصـوابُ بحـكرٍ على

           فقيه.. ولا مُقتدٍ بَعْدُ بِهْ

تعدَّدت (الطرق) نحو الصواب 

           فخذ ما تشاء ولا تشتبهْ

ومَثِّلْه بـ (الكعبةِ) المصطفاة    

           ونحن حَوَالَيْها (فانتبِهْ)

إن شباب المسلمين الحائر بحاجة إلى أيدٍ حانية، وقلوب صافية ونفوسٍ صادقة. لإنقاذهم من المحيط الثائر إلى المحيط الهادي ومن البحر الأسود، إلى البحر الأبيض. وهذا يحتاج إلى ربان حاذق فاهم خبير بمسالك الدروب والطرق.

زاده الإخلاص، وشراعه التوكل، وطاقته الرحمة والشفقة والهم المتواصل للوصول إلى شاطئ الأمان.

]وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ[  69 العنكبوت

يتبع ان شاء الله

 

 

 

 

 

 

0 Comments

Leave a reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

© [السنة الحالية] ALWASATEIA | مشغل بواسطة

Log in with your credentials

Forgot your details?