الجذور التوراتية للصهيونية ( 2)- النزعة العنصرية. د.الحسينى الحسينى معدِّى

2- النزعة العنصرية

 د.الحسينى الحسينى معدِّى

إنّ الروح العدوانية التي تجذّرت في ذوات وعقول اليهود ارتكزت أيضاً على نزعات حذّرالإله ربّ الجنود من تجاهلها، وكانت بمثابة الركيزة الأساسية لهذه الروح العدوانية.. كالنزعة العنصرية التي ساهمت في انغلاقهم وتعصّبهم وتوجسّهم من الأغيار، واعتقادهم بأنهم الزّرع المقدّس والشعب المختار.

فالعنصرية في جوهرها نزعة عدوانية، ولا يمكن أن تكون إلا كذلك نظراً لأنّها تبنى على التميّيز  والتميز والاختيار والتفّوق والفرادة.

واليهودية تنصّ على أنّ اليهود  يشكلّون عنصراً مميّزاً على سائر العناصر البشرية، وشعباً متّميزاً على كافة الشعوب بخصائصه وفرادته .، والتعاليم الدينية اليهودّية تركزّ بقوّة على العنصرية عبر تأكيدها على الاختيار  والقداسة والتفّوق، وعدم الاختلاط بالشعوب والأمم. وإسرائيل اليوم تربط كيانها السياسي بالدّين، وتجعل من الدين أساساً لوجودها  وحجّة في اغتصاب الأرض واستملاكها. والدين اليهودي في نظر المفكرين اليهود والصهاينة هوالأساس الذي تقوم عليه الأيديولوجية أو القومية اليهودية ، كما أنّ الكنيس اليهودي هو محور الهوية الذاتية اليهودية في دول الغرب.

إنّهم ينظرون إلى فلسطين على أنّها أرض اسرائيل فهي مُلك لهم وعلاقتهم بها تاريخية في أي مناسبة أو محاججة سياسية سواء أكانوا مؤمنين دينياً بالتوراة أم غير مؤمنين.

والسياسيون اليهود والصهاينة يعتمدون اعتماداً كاملاً على النصوص الدينية في كتاباتهم وتصريحاتهم السياسية، وهذه النصوص الدينية مليئة بالعنصرية والروح العدوانية. وهو ما سأستشهد به في هذا الفصل الذي أفردته  للنزعة العنصرية في التعاليم الدينية اليهودية. نظراً لأنّ  الصهاينة واليهود عموماً يستندون إلى الدين في كل ما يتعلق بأمورهم واتجاهاتهم السياسية والاجتماعية ، ويعتبرون نصوص الدين أساساً لكل عمل لهم في الأرض ، وهم يعلنون دائماً أنّ اليهود  يشكّلون كياناً دينياً قومياً عرقّياً ، غير قابل للاندماج أو الانصهار في الشعوب الأخرى .

إن الكنعانين حسب ما نستّشفه من النّصوص التوراتية كانوا يمتلكون ذهنية متفتّحة ، ويتصّفون بالكرم والمحبة والطيبة، والانفتاح على ألأمم الأخرى.

كان إبراهيم الخليل يتنقل في أرض كنعان بحرية وأمان. وحكام المنطقة  يقدّمون له كل التسهيلات الكفيلة بتأمين الاقامة والاطمئنان والكلأ وحرية العمل والحركة والاحترام . فنقرأ في سفر التكوين:” فأتوا إلى أرض كنعان واجتاز أبرام في الأرض إلى مكان شكيم إلى بلوطة مور وكان الكنعانيون حينئذٍ في الأرض وظهر الرّب  لأبرام وقال لنسلك أعطي هذه الأرض ، فبنى هناك مذبحاً للرّب الذي ظهر له ، ثم نقل من هناك إلى الجبل شرقي بيت إيل ونصب خيمته وله بيت إيل من المغرب وعائي من المشرق فبنى هناك مذبحاً للرّب ودعا باسم الرّب ثم ارتحل أبرام ارتحالاً متوالياً نحو الجنوب.”

كان يتصرّف بحرية وأمان ، ولم يتعرّض له أحد من الكنعانيين بسوء. ولم يطلبوا منه أن يهدم مذبحه ولا أن يرحل ولا أن يلتزم بعبادة آلهتهم ، وقد بنى مذبحين للرّب إلهه قبل أن يرتحل إلى مصر ، وعندما عاد من مصر بعد أن تغرّب فيها وجد المذبحين كما هما قبل رحيله لم يتعرض لهما أحد بسوء. علماً أنّه كان بمقدور الكنعانيين أن يهدموا المذبحين وأن يفرضوا على ابراهيم التمسك بعبادة آلهتهم أو أن يرحل.. لكن هذا لم يحدث، بل على العكس. احترم الكنعانيون ابراهيم وتركوا له حرّية العقيدة والعبادة. وصادقوه واحتضنوه بين ظهرانيهم بمحبة واحترام فنقرأ:” ثم انتقل إبراهيم إلى بلوطات ممرا التي في حبرون وأقام هناك وبنى مذبحاً للرّب وسكن بأمان وطمأنينة تحت راية ممرا الأموري وأخويه أشكول وعانر وكانوا أصحاب عهدٍ مع إبراهيم”.

واستوطن إبراهيم في أرض الجنوب بين قادش وشور وتغرّب في جرار، وقد لقي كل الاحترام والتقدير من ملك جرار” أبيمالك” الذي قال لابراهيم:” هوذا أرضي  قدامك اسكن في ما حسن في عينيك.”

كما تغرّب إبراهيم في أرض الفلسطينيين أياماً كثيرة، ولما ماتت امرأته ” ساره” تضامن معه بنو حثّ سكان المنطقة وكانوا له عوناً ومنحوه حقلاً ومغارة ليدفن امرأته” سارة” ولم يشعروه أبداً أنّه غريبٌ عنهم وكانوا يعتبرونه مؤمناً تقيّاً رغم أنّه لم يكن يتعبّد لآلهتهم فنقرأ :” وقام إبراهيم من أمام ميته وكلّم بني حثّ قائلاً . أنا غريب ونزيلٌ عندكم أعطوني  ملك قبرٍ معكم لأدفن ميتي من أمامي . فأجاب  بنو حثّ إبراهيم قائلين له اسمعنا ياسيدي أنت رئيس من الّله بيننا في أفضل قبورنا ادفن ميتك . لايمنع أحدٌ منّا قبره عنك حتى لاتدفن ميتك.”

وبنفس الروح المتسامحة والكرم والإنسانية، احتضن الكنعانيون ابنه إسحق الذي سكن بعد وفاة والده إبراهيم في منطقة تدعى بئر لحي رئي، ثم ذهب إلى منطقة جرار فاستقبله ملكها “حاكمها ” أبيمالك خير استقبال وكرّمه تكريماً جيداً وأوصى به قائلاً لشعبه:” الذي يمسُّ هذا الرجل أو امرأته موتاً يموت”.

ثم استوطن إسحق في بئر سبع وبنى هناك مذبحاً للرّب، وقد عاش بين الكنعانيين بأمان وطمأنينة، وتزّوج ابنه ” عيسو” إمرأة من بني حّث تدعى ” يهوديت” إبنة بيري الحّثي ، وتزوج أيضاً إمرأة حثّية أخرى تدعى ” بسمة” إبنة إيلون الحّثي.

فالكنعانيون كانوا يتصّفون بالصفاء والتسامح وكرم الضيافة والشهامة والإنسانية وهذا ما كان يدفعهم إلى احتضان الرّحل من العناصر البدوية الصحراوية ويفسحون لهم المجال للسكن في أراضيهم وانتجاع مراعيهم ومنحهم حرية العبادة. ولهذا كان ” يعقوب بن اسحق ” في طمأنينة بين ظهرانيهم عندما عاد من فّدان آرام بعد أن تغرّب هناك هرباً من أخيه عيسو بعد أن غدر به بالاتفاق مع أمّه ووالده ، وسرق منه البكورية والبركة.

فقد نزل أمام مدينة شكيم وأقام هناك مذبحاً للرّب ، وقد كرّمه رئيس المنطقة وكان يدعى ” حمور” وطرح معه فكرة الاختلاط والاندماج عبر التصاهر والتعاون والتضامن . فنقرأ :” تعطونا بناتكم وتأخذون لكم بناتنا وتسكنون معنا وتكون الأرض قدامكم اسكنوا واتجروا فيها وتملكوا بها.”

على الرغم من هذا التسامح والترّحيب والانفتاح الذي أبداه الكنعانيون لبني إسرائيل، فقد نظر الاسرائيليون إليهم نظرة تعصّب وعنصرية ، وعدوانية لأنّ إلههم الخاصّ  صوّر لهم الكنعانيين أعداءً وكفرة ولذا ينبغي الانعزال عنهم وإذا أمكن إبادتهم واحتلال مناطقهم.

فالمصاهرة أمرٌ مرفوض البتة. فلا يجوز في عقيدتهم أن يتدّنس الزرع المقدّس برجاسات الأمم. فرغم كلّ مالاقاه إبراهيم من تكريم ومودة واحترام في كنعان من سكانها وبمختلف مناطقها التي سكن فيها ، فإنّه لم يكن ليتخّلى عن نزعته العنصرية كما نستشّف من النصّ التوراتي وكأنّ كاتب النصّ يرغب أن يصوّر إبراهيم متعصّباً عنصرياً انعزالياً مترفّعاً.

إنّ ابراهيم رفض أن يتزوّج ابنه اسحق من بنات كنعان . وأصّر أن يأخذ بنتاً من عشيرته حصراً فنقرأ:” وشاخ إبراهيم وتقدّم في الأيام وبارك الرّب إبراهيم في كلّ شيء وقال إبراهيم لعبده كبير بيته المستولي على كلِّ ما كان له . ضع يدك تحت فخذي فأستحلفك بالرّب إله السماء وإله الأرض أن لا تأخذ زوجة لابني من بنات الكنعانيين الذين أنا ساكن بينهم . بل إلى أرضي وعشيرتي تذهب وتأخذ زوجة لابني اسحق.”.

لقد نفّذ إسحق وصية ابيه وتزوّج من فدّان آرام كما يرد في سفر التكوين:” واتخذ لنفسه زوجة رفقة بنت  بتوئيل الآرامي من فدان آرام”

وورث إسحق عن أبيه ابراهيم هذه النزعة العنصرية ، حيث يكتب محرّر النصّ التوراتي أن اسحق أمر ابنه يعقوب أن لا يأخذ زوجة من بنات كنعان أيضاً فنقرأ:” فدعا إسحق يعقوب وباركه وأوصاه وقال له لا تأخذ زوجةً من بنات كنعان . قم اذهب إلى فدّان آرام إلى بيت بتوئيل أبي أمّك وخذ لنفسك زوجة من هناك من بنات لابان أخي أمّك”.

التزم يعقوب بالأمر خاصّة وأنّ أمّه ” رفقة” كانت قد هدّدت أن تقتل نفسها إن تزوّج من بنات كنعان حيث نقرأ:” وقالت رفقة لإسحق مللت حياتي من أجل بنات حّث . إن كان يعقوب يأخذ زوجةً من بنات حّث مثل هؤلاء من بنات الأرض فلماذا لي حياة” .

لقد دفعت العنصرية أبناء يعقوب لارتكاب جريمة بشعة بحقّ سكان منطقة شكيم الذين احتضنوهم في أرضهم وأكرموهم ورحبّوا حتى بالاختلاط معهم. وكان سبب هذه الجريمة البشعة أنّ ” شكيم ” ابن حاكم المنطقة ” حمور ” أراد أن يتزوج من ” دنية” إبنة يعقوب التي أحبها وأحبته ، وقد طلبها له والده رسّمياً ووافق على كافة شروطهم ومنها ” ختان جميع الذكور في منطقة شكيم”.

لم يكن ليدري حمور ولا ابنه أنّ شرط الختان كان خدعة وحيلة خطّط لها أبناء يعقوب ليرتكبوا جريمتهم انتقاماً وتخلّصاً من فكرة المصاهرة والاختلاط والتعايش السلمي.

لقد كانت رؤية حمور حاكم المنطقة الكنعاني حضارية فهو يؤمن بمجتمع تنصهر فيه الفوارق العنصرية والمساواة بين مختلف أفراد البيئة الواحدة أو بين شتّى الشعوب المتجاورة. حيث المحبة والتعاون والانسانية. فنقرأ خطابه ليعقوب وابنائه:” ابني قد تعلّقت نفسه بابنتكم أعطوه إيّاها زوجة وصاهرونا . تعطونا بناتكم وتأخذون لكم بناتنا وتسكنون معنا وتكون الأرض قدامكم اسكنوا واتجروا فيها وتملكّوا بها، ثم قال شكيم لأبيها ولاخوتها دعوني أجد نعمة في أعينكم فالذي تقولون لي أعطي”.

كانت أبواب الكنعانيين مفتوحة لجميع الأفكار والأديان والتشريعات ومفاهيمهم وأهدافهم النبيلة كانت تسمح بالتفاعل والتآخي بين الشّعوب دونما تمييز، عكس ما كان يحمله اليهود تماماً في أفكارهم ومفاهيمهم، فقد كانوا مشبعين بالتعصب والانغلاق والبدائية والحقد.

في الفصل السّابق نوهت كيف أنّ المصريين فتحوا صدورهم لبني إسرائيل ومنحوهم الطمأنينة والأرض وكرّموهم ونظروا إليهم من منظار إنساني مشبع بالمحبة والاحترام . لكن الاسرائيليين فضّلوا الانعزال وعدم الاختلاط مع الشعب المصري واختاروا السكن في منطقة بعيدة عن المركز تدعى ” جاسان ” وذلك بدافع من عنصريتهم وتعصّبهم ، علماً أنّ فرعون مصر خيّرهم في تحديد مكان إقامتهم ولم يفرض عليهم مكاناً ما.

إنّ وصايا موسى لجماعته مشبعة بالعنصرية والانعزال والفوقية والحقد والتعصّب ، والتسلط، واحتقار الشعوب والأمم ، وحتى إبادتها . فلم يكن ليرضى حتى بالشفقة والرأفة، فالقتل والتدمير والحرق والابادة والنهب والسلب هذا ما يريده من جماعته . ولكي تأخذ صفة الشرعية نسبها كاتب النصّ إلى ربّ الجنود يهوه . نقرأ:

” احفظ ما أنا موصيك اليوم ، ها أنا طارد من قدامك الأموريين والكنعانيين والحثيّيين والغرزيين والحويين واليبوسيين. احترز من أن تقطع عهداً مع سكان الأرض التي أنت آتٍ إليها” .

” احترز من أن تقطع عهداً مع سكان الأرض”.

” وتكونون لي قدّيسين لأنّي قدّوسٌ أنا الرّب وقد ميزتكم من الشعوب لتكونون لي” .

” وأجعل مسكني في وسطكم ولاترذلكم نفسي وأسير بينكم وأكون لكم إلهاً وأنتم تكونون لي شعباً ” .

” متى أتى بك الرّب إلهك إلى الأرض التي أنت داخل إليها لتمتلكها وطرد شعوباً كثيرة من أمامك الحثيّيين والجرجاشيين والأموّريين والكنعانيين والغرزيين والحويين واليبوسيين سبع شعوب أكثر وأعظم منك ودفعهم  الرّب إلهك أمامك وضربتهم فإنّك تحرّمهم. لاتقطع لهم عهداً ولا تشفق عليهم ولا تصاهرهم بنتك لاتعطي لابنه وبنته لاتأخذ لابنك.”.

” لأنّك أنت شعبٌ مقدس للرّبّ إلهك . إياك قد اختار الرّبُّ إلهك لتكون له شعباً أخصّ من جميع الذين على وجه الأرض” .

” مباركاً تكون فوق جميع الشعوب لايكون عقيم ولا عاقرٌ فيك ولا في بهائمك ويرّدُ الرّبُّ عنك كل مرضٍ وكل أدواء مصر الرديئة التي عرفتها لايضعها عليك بل يجعلها على كلّ مبغضيك وتأكل كلّ الشعوب الذين الرّب إلهك يدفع إليك. لاتشفق عيناك عليهم”.

لأنّك شعبٌ مقدّسٌ للرّبّ إلهك وقد اختارك الرّبُّ لكي تكون له شعباً خاصّاً فوق جميع الشعوب الذين على وجه الأرض”.

لقد أمضى موسى حوالي نصف قرن في صحراء سيناء يدرّب جماعته على القتال والعنف والقسوة ، وينمّي فيهم فكرة الاختيار والقداسة وكراهية كافة الشعوب والأمم ويزرع في نفوسهم الروح الانعزالية والتعصب الأعمى لابادة الشعوب وسرقة أرضها . أواستعبادها.

إنّ كاتب النصّ يريد من اليهود أن لايستكينوا  أبداً فإن لم يتمكنوا من سحق الشعوب والأمم قتلاً فعليهم تسخيرهم واستعبادهم والتعامل معهم على أساس أنّهم أنجاسٌ لايستحقون الشفقة والرّحمة . وما يرد في النصّ التوراتي من وصايا تدعو إلى المحبة والخير والعدالة فإنّها وصايا تخصّ اليهود فقط ، ولا يجوز أن تطبقّ على الأجانب.

اليهودي يحقُّ له أن يسرق الأغيار وأن يزني مع نساء الأغيار وأن يقرض الأغيار بالرّبا، لكنّه لايحقّ له هذا مع اليهودي، لأنّ اليهوديّ أخوه بينما الأجنبي عدّوه . إنّها النظرة الضيّقة المنغلقة التي تمثّل جوهر الفكر  الديني اليهودي، هذا الفكر الذي يلقّن للأطفال والشباب . فنقرأ مثلاً:

“. في آخر سبع سنين تعمل إبراءً وهذا هو حكم الابراء. يبرئ كل صاحب دينٍ يده مّما أقرض صاحبه . لايطالب صاحبه ولا اخاه لأنّه قد نودي بابراء للرّب. الأجنبي تطالب. وأمّا ما كان لك عند أخيك فتبرئه يدك منه”.

ونقرأ:” وكلّم الرّب موسى قائلاً كلّم كل جماعة بني إسرائيل وقل لهم لاتسرقوا ولاتكذبوا ولا تغدروا أحدكم بصاحبه ولا تغصب قريبك. بالعدل تحكم لقريبك لاتسع في الوشاية بين شعبك لاتبغض أخاك في قلبك . لاتنتقم ولا تحقد على أبناء شعبك بل تحب قريبك كنفسك”.

وفي موضع آخر نقرأ :” لاتشهد على قريبك شهادة زور ولا تشته بيت قريبك، لاتشته امرأة قريبك ولا أمته ولا ثوره ولا حماره” .

“. لاتقرض أخاك بربا للأجنبي تقرض بربا لكن لأخيك لاتقرض بربا”.

” إن أقرضت فضة لشعبي فلا تكن كالمرابي . لاتضع عليه ربا” .

” إذا افتقر أخوك عندك وبيع لك فلا تستعبده استعباد عبد . ولا تتسّلط عليه بعنف وإلى آبائه يرجع وأمّا عبيدك الذين يكونون لك . فمن الشعوب الذين حولكم منهم تقتنون عبيداً وإماءً وايضاً من ابناء المستوطنين النازلين في أرضكم منهم تقتنون ومن عشائرهم الذين عندكم . الذين يلدونهم في أرضكم فيكونون ملكاً لكم وتستملكونهم لأبنائكم من بعدكم ميراث ملك . تستعبدونهم إلى الدهر وأمّا إخوتكم بنو إسرائيل فلا يتسّلط إنسان على أخيه بعنف” .

اليهودي يحقّ له أن يرتكب كافة الذنوب ضد الأغيار ، يقرض بالرّبا ويشهد بالزور ويسرق ويشتهي النساء الأجنبيات ويغدر ويغتصب كل من هو غير يهودي .. فهذه النزعة العنصرية تبيح لليهودي أن يفعل كلّ شيء يمكن أن يسيء إلى الأغيار .. وهذا دون شّك يعبّر عن انعدام القيم الاخلاقية والانسانية في الفكر الديني اليهودي.

إنّ النصوص التوراتية تكرّس هذه النزعة وتنسبها إلى ” يهوه ” حتى تأخذ صفة الشرعية  والديمومة، ولهذا نقرأ دوماً أنّ الرّب قال لموسى افعل كذا وكذا. وبالتالي فإنّ سلوك موسى يرسمه يهوه ، وعلى اليهود أن يقتدوا بموسى وأن يعتمدوا سيرته منهاج عملٍ أساسياً في حياتهم العامة.. وهذه السيرة تبدأ منذ أن قتل المصري دفاعاً عن العبراني مروراً بالجرائم التي ارتكبت ضد المصريين وضد سكان مديان حتى وفاته وتشمل أيضاً كل الوصايا التي لقنها لبني اسرائيل وحثّهم فيها على العزلة والتسّلط والفوقية وضرورة  القسوة والانتقام واستعباد الشعوب والأمم، وزرع من خلالها في عقولهم الباطنية فكرة القداسة والاختيار والتفوق، والحقد على الأغيار.

لقد كان موسى متشدّداً فيما يتعلق بالعنصرية، فالاختلاط بالشعوب ومسالمتهم ومصاهرتهم أمر مرفوض البّتة وعقابه الموت دون جدل قتلاً بالسيف أو حرقاً بالنّار أو غرقاً في جوف الأرض التي تفتح فمها لتبتلع المخالفين من جماعته بأمر يهوه الغاضب والحريص على العزلة. والذي يكافئ  من يغار غيرته ويرّد سخطه وينتقم له. فنقرأ مثلاً  في سفر  العدد أنّ أحد  الاسرائيليين تزوج من امرأة مديانية فسخط يهوه وحمي غضبه حتى الدرجة التي لم يكتف فيها بقتل الرجل والمرأة بل بقتل كل المديانيين وحرق مدنهم ومساكنهم وقتل كل أنثى  في مديان حيث يرد :” وإذا رجل من بني إسرائيل جاء وقدّم إلى إخوته المديانية أمام عينيّ موسى واعين كل جماعة بني إسرائيل وهم باكون لدى باب خيمة الاجتماع . فلّما رأى ذلك  فينحاس بن ألعازار بن هرون الكاهن قام من وسط  الجماعة واخذ رمحاً بيده ودخل وراء الرجل الاسرائيلي إلى القبة  وطعن كليهما الرجل الاسرائيلي والمرأة في بطنها.” .

” فكلّم الرّب موسى قائلاً فينحاس بن ألعازار بن هرون الكاهن قد ردَّ سخطي عن بني إسرائيل بكونه غار غيرتي في وسطهم حتى لم أفن بني إسرائيل بغيرتي”.

” وكان اسم الرجل الاسرائيلي المقتول الذي قتل مع المديانية  زمري بن سالورئيس بيت أبٍ من الشمعونيين . واسم المرأة المديانية المقتولة كزبى بنت صورٍ هو رئيس قبائل بيت أبٍ في مديان”.

لقد راح ضحية هذه العنصرية آلاف القتلى من النساء والأطفال والشيّوخ وأحرقت المساكن وهدّمت البيوت ، وهدأ غضب يهوه . وهذه الحادثة والحوادث العنصرية الكثيرة  في النصوص التوراتية هي عبرة لبني إسرائيل جيلاً بعد جيل، فكما يقتدي المسيحي والمسلم بانسانية وشمولية المسيح ومحمد عليهما السلام هكذا يقتدي اليهودي بعنصرية وعدوانية موسى التوراتي كما صورة النص. أما موسى النبي عليه السلام فهو براء تماماً من هذه العنصرية والعدوانية،. إنّ محرّر النصّ التوراتي هو الذي نسب هذه العنصرية  إلى موسى ، وهو الذي أراد أن يكون إلهه إلهاً غاضباً ساخطاً ، ظالماً ، متعّطشاً للدماء والقتل والتدمير والعزلة رافضاً  للمحبة والعدالة والانسانية ، واضعاً الانتقام نصب عينيه حتى على شعبه المقدّس المختار والمستعلي على جميع الشعوب إن تذّمر أو تردّد  أو تجاهل شريعته هذه.

لقد صوره ناقماً على كافة الشعوب والأمم حاقداً عليهم  متعطشاً لقتلهم وذبحهم وتدميرهم فنقرأ مثلاً :” إنّ للرّب سخطاً على كلّ الأمم ومحواً على كلّ جيشهم قد حرّمهم . دفعهم للذبح . فقتلاهم تطرح وجيفهم تصعد نتانتها وتسيل الجبال بدمائهم..” .

ونقرأ  أيضاً :” أسكر سهامي بدمٍ ويأكل سيفي لحماً بدم القتلى والسبايا ومن رؤوس قواد  العدوِّ”.

 لقد ورّث موسى عنصريته للقائد الجديد ” يشوع “. فكان تلميذاً ناجحاً في العنصرية قاد أتباعه لتنفيذ وصايا يهوه وموسى في كنعان حاملاً راية العدوان  والقسوة، والانعزال. ففي سفر يشوع نقرأ كيف يحضّ بني إسرائيل على العدوان والعزلة وعدم مخالطة الشعوب مهما كانت الأسباب . فهو يوصي متشدداً قائلاً :” إذا رجعتم ولصقتم ببقية هؤلاء الشعوب أولئك الباقين معكم وصاهرتموهم ودخلتم إليهم وهم إليكم . فاعلموا يقيناً أنّ الرّب إلهكم لا يعود يطرد أولئك الشعوب من أمامكم فيكونوا لكم فخَّاً وشركاً وسوطاً على جوانبكم وشوكاً في أعينكم” .

كما ورّث هذه العنصرية للقضاة. أي هؤلاء الذين حكموا بني إسرائيل بعد وفاة يشوع بن نون كما يزعم كاتب سفر القضاة .. وعددهم أربعة عشر قاضياً، جميعهم أرسلهم الرّب يهوه لتذكير بني إسرئيل بضرورة التمسّك بالعزلة و الفوقية والتسّلط والعدوان.. وكاتب السفر يصّور لنا هؤلاء القضاة تصويراً دراماتيكياً فهم رسل يَهْوهَ وفي كل عشيرة ظهر قاضٍ دعا إلى العدوان والإنعزال عن المجتمع الكنعاني. وخلّص عشيرته من الذّل والهوان وأعادها إلى حظيرة اليَهْويّة. لكنّ كاتب سفر القضاة لم يكن موفقاً في إيصال هذه الروايات الميتولوجية توفيقاً جيداً، لأن الأحداث تعطي للقارئ مفهوماً عكسياً تماماً ، أي أنّ هؤلاء القضاة كانوا من البطالين والخارجين على القانون، وقطّاع طرق، ولصوص.

لقد أراد كاتب سفر القضاة أن يجعل من هؤلاء الخارجين على القانون أنبياء كلفّهم الرّبُّ يَهْوهَ بمهمة تخليص بني إسرائيل من دائرة الإنخراط في المجتمع الكنعاني وإعادتهم إلى حظيرة الانغلاق والتعّصب والعنصرية.

هكذا في كلّ إصحاح من سفر القضاة نجد أنّ بني إسرائيل يتخلّون عن يَهْوهَ لصالح آلهة كنعانية، ويختلطون في المجتمع الكنعاني ، فيحمي غضب الرّبّ يَهْوهَ حتى الدرجة التي يدفع بهم بأيدي أعدائهم من الشعوب المجاورة، ويتسلطون عليهم حتى يصرخ بنو إسرائيل من الضيّق والعذاب ويستنجدوا بالرّبّ يَهْوهَ لينقذهم من هذا العذاب والذلّ فيصغي يَهْوهَ إلى أنينهم ويحنو عليهم ويرسل مخلصاَ لهم يسميّه كاتب السّفر تارة (قاضياًٍ) وتارة (نبّياً) . ويقوم بغزوات ضدّ الشعوب المجاورة، ويخلّص بني إسرائيل منهم ويعيدهم إلى حظيرة الانغلاق والعنصرية والتعصب ثانية . وهكذا.

أمّا في سفر عزرا فإننّا نجد مزيداً من الوصايا والمواقف التي تحضّ على الانعزال والتعصب والعنصرية .. والسبب هو الحفاظ على الزرع المقدّس والاختيار فعزرا هذا الكاهن المتشّدد العنصري لم يكن ليقبل أبداً بالاختلاط مع الشعوب مهما كانت الأسباب .. وعندما جاء من بابل ، كانت العنصرية قد سبقته إلى كنعان.

إنّ عزرا الكاهن هو كاتب الشريعة التي إتصفّت بالعنصرية والعدوانية والإنغلاق ، وهو الذي عمّق هذه النزعة في نفوس اليهود وشدّد على ممارستها .. “عزرا هذا صعد من بابل وهو كاتبٌ ماهرٌ في شريعة موسى التي أعطاها الرّبّ إله إسرائيل”.

عندما وصل عزرا إلى أورشليم ومعه الشريعة التي كتبها في بابل ، رفع راية الانعزال فوراً،   وأعلن عن العنصرية دون قيد أو شرط .. ويروي هو نفسه في سفره قائلاً :” تقدم إليّ الرؤساء قائلين لم ينفصل شعب إسرائيل والكهنة واللاّويون من شعوب الأراضي حسب رجاساتهم من الكنعانيين والحثيين والغرزيين واليبوسيين والعموريين والموآبيين والمصريين والأموريين، لأنهم اتخذوا من بناتهم لأنفسهم ولبنيهم واختلط الزّرع المقدّس بشعوب الأراضي”.

ويتابع قائلاً ومحذراً بشّدة بني اسرائيل الذين التقى بهم في أورشليم : “والآن فلا تعطوا بناتكم لبنيهم ولا تأخذوا بناتهم لبنيكم ولا تطلبوا سلامتهم وخيرهم إلى الأبد”.

ثم نقرأ أيضاً : “أفنعود ونتعدى وصاياك ونُصاهر شعوب هذه الرجاسات”.

وفي الأصحاح العاشر نقرأ :” فلّما صلّىعزرا واعترف وهو باكٍ وساقطٌ أمام بيت اللّه اجتمع إليه من إسرائيل جماعة كثيرة جداً من الرجال والنساء والأولاد لأنّ الشعب بكى بكاء عظيماً . وأجاب شكنيا بن يحئيلَ من بني عيلام وقال لعزرا إننّا قد خُنّا إلهنا واتخذنا نساء غريبة من شعوب الأرض ولكن الآن يوجد  رجاءٌ لأسرائيل في هذا فلنقطع الآن عهداً مع إلهنا أن نُخرج كلّ النساء والذين ولدوا منهن حسب مشورة سيدي والذين يخشون وصيّة إلهنا وليُعمل حسب الشريعة “.

ونقرأ أيضاً في نفس الاصحاح أنّ عزرا أرسل وراء اليهود في أورشليم ويهوذا واجتمع1 بهم معنّفاً ومحذّراً من الاختلاط والمصاهرة:”فقام عزرا الكاهن وقال لهم إنكمّ قد خنتم واتخذتم نساءً غريبة لتزيدوا على إثم إسرائيل . فاعترفوا الآن للرّب إله آبائكم واعملوا مرضاته وانفصلوا عن شعوب الأرض وعن النسّاء الغريبة “.

كما نجد هذه النزعة العنصرية في سفر نحميا أيضاً ، ونحميا كعزرا الكاهن رفع راية الدفاع عن النزعة العنصرية وبقوة .. فقد هاله الاندماج وأزعجته المصاهرات وتدنيس الزّرع المقدّس وطالب اليهود أن يعتزلوا الشعوب ويعملوا بجميع وصايا يَهْوه القاضية بالعزلة والاحتراز من الأغيار وعدم مصاهرتهم أو الشفقة عليهم. لهذا رأى كلّ من عزرا ونحميّا أن يطهرّا الشعب المقدّس من جديد عن طريق عزله كلياً عن بقية الشعوب . وقد نجحا في ذلك ، حيث نقرأ في الاصحاح العاشر :”وباقي الشعب والكهنة واللاّوييّن والبّوابين والمغنين والنَّثنيم وكلّ الذين انفصلوا من شعوب الأراضي إلى شريعة الله ونسائهم وبنيهم وبناتهم كلّ أصحاب المعرفة والفهم . لصقوا بإخوتهم وعظمائهم ودخلوا في قسمٍ وحلْفٍ أن يسيروا في شريعة الله التي أُعطيتْ عن يد موسى عبد اللّه وأن يحفظوا ويعملوا جميع وصايا الرّب سيدّنا وأحكامه وفرائضه . وأن لا نعطي بناتنا لشعوب الأرض ولا نأخذ بناتهم لبنينا . وشعوب الأرض الذين يأتون بالبضائع وكلّ طعام يوم السبت للبيع لا نأخذ منهم في سبتٍ ولا في يومٍ مقدّسٍ”.

ونقرأ أيضاً في الأصحاح الثالث عشر :”وفي تلك الأيام أيضاً رأيت اليهود الذين ساكنوا نساء أشدودّيات وعموّنيات وموآبيات ونصف كلام بنيهم باللسّان الأشدودّي ولم يكونوا يحسنون التّكلم باللسان اليهودي بل بلسان شعبٍ وشعبٍ . فخاصمتهم ولعنتهم ،وضربتُ منهم أناساً ونتفتُ شعورهم واستحلفتهم باللّه قائلاً لا تعطوا بناتكم لبنيهم ولا تأخذوا من بناتهم لبنيكم ولا لأنفسكم”.

وفي سفر إشعياء نجد هذه العنصرية من خلال ابراز جانب الاستعلاء والاختيار والقداسة لبني إسرائيل ، فإشعياء النبي يرى أنّ جميع الأمم سوف تكون في خدمة إسرائيل ، وهو أمر لا جدال فيه ، فهم الزرع المقدّس ، الشعب الخاصّ لرّب الجنود.. فنقرأ :”هكذا قال السيد الرّب. ها إنّي أرفعُ إلى الأمم يدي وإلى الشعوب  أقيم رايتي فيأتون بأولادكِ في الأحضان وبناتك على الإكتاف يُحملن. ويكون الملوك حاضنيك وسيداتُهم مرضعاتك. بالوجوه إلى الأرض  يسجدون لك. ويلحسون غبار رجليكِ”.

ونجد في موضع آخر : “استيقظي البسي عزَّك يا صهيونُ البسي ثياب جمالك يا أورشليم المدينة المقدسة لأنّه لا يعود يدخلك في ما بعدُ أغلفٌ ولا نجسٌ “.

وفي الاصحاح الستين نقرأ :”ارفعي عينيك حواليك وانظري قد اجتمعوا كلُّهم . جاؤوا إليك .

يأتى بنوك من بعيد وتُحمل بناتك على الأيدي. حينئذٍ تنظرينَ وتنيرينَ ويخفقُ قلبكِ ويتّسعُ لأنّه تتحول إليكِ ثروة البحر ويأتي إليكِ غنى الأمم”.

“وبنو الغريب يبنون أسوارك وملوكهم يخدمونكِ”.

“وتنفتح أبوابك دائماً . نهاراً وليلاً لا تُغلقُ. ليؤتى إليك بغني الأمم وتُقادُ ملوكُهم لأنّ الأمّة والمملكة التي لا تخدمُكِ تبيدُ وخراباً تُخربُ الأمم “.

“وترضعين لبن الأمم وترضين ثُديَّ مُلوكٍ”.

إنّها دعوةٌ صريحةٌ إلى الاستعلاء واستعباد الشعوب والنظر إليها من منظار عنصري واضح .. فإشعياء شديد التعصّب ، وفي سفره تعميق لفكرة الانطواء والحفاظ على الزرع المقدّس . والشعب المقدّس يستعلي على جميع الشعوب لأنّه شعب اللّه المختار . وجميع الشعوب والأمم ينبغي أن تكون في خدمة بني إسرائيل حيث نقرأ:”ويقفُ الأجانب ويرعون غنمكم ويكونُ بنو الغريب حراّثيكم وكراميكم . أما أنتم فتدعونَ كهنة الرّب تسمونَ خدّام إلهنا . تأكلون ثروة الأمم وعلى مجدهم تتآمرون”.

ونقرأ في سفر إرميا كثيراً من الشواهد التي تؤكد على النزعة العنصرية ، فإرميا مستاء من الاندماج والاختلاط . ورّب الجنود يرى في التسامح والانفتاح وباء عظيماً لا بدَّ من قمعه بأية وسيلة كانت..لهذا نجد كاتب سفر إرميا أو الذي نسبه إلى إرميا يشير إلى أنّ ربّ الجنود هو الذي كلّم إرميا وأمره أن يهدّد ويتوّعد بني إسرائيل من مغّبة الانفتاح على الشعوب والأمم مؤكداً على خصوصيتهم وقداستهم ورجاسة هذه الشعوب والأمم.

إنّ ربّ الجنود هو إلههم وحدهم. وهم شعبه الخاص . ورغم كلّ الأخطاء التي ارتكبوها بحقه فهو لا يتخلّى عنهم أبداً . ويبقون شعبه المقدّس ..

لقد عاقبهم أكثر من مرّة ، تارة بالسبي وتارة بالقتل بتسليط الأمم والشعوب عليهم، ودائماً يؤكدّ على أنّهم شعبه الخاص الذي سيعود إلى أرضه .(أرض الميعاد) الأرض المقدسة بعد أن يبيد الأمم والشعوب التي سلّطها سابقاً لتسبي إسرائيل وتقتل إسرائيل وتذّل إسرائيل .

لقد أراد إرميا أن يكرّس من نزعته العنصرية بتأكيده على أن ربَّ الجنود اختصّ اسرائيل دون سائر الشعوب . ومهما كان إثمهم فإنه لا يتخلى عنهم،كما أراد إرميا أن يؤكدّ للأجيال علىأنّ إسرائيل شعبٌ مختار فوق كلّ الشعوب ..إنّه شعب يَهْوه (رّبّ الجنود) الشعب المقدّس المدّلل الذي لا يجوز أن يختلط بالأمم والشعوب أبداً وعليه أن يعود إلى الأرض المقدسة لينعزل تماماً ويترّفع ويبتعد عن رجاسات الأمم.

إنّ إرميا يرفض أن يعيش اليهود في بلدانٍ أخرى كمواطنين شأنهم شأن كل مواطن في هذه البلدان .. ينبغي أن يدركوا أنّ بلدهم الحقيقي في كنعان ولا بد من العودة إليها فهي أرض الميعاد التي وعد بها يَهْوهَ أسلافهم .

فنقرأ:

“هكذا قال الرّب إله إسرائيل عن هذه المدينة التي تقولون إنّها قد دفعتْ ليد ملك بابل بالسيف والجوع والوباء. ها أنذا أجمعهم من كل الأراضي التي طردتهم إليها بغضبي وغيظي وبسخط عظيمٍ وأردّهم إلى هذا الموضع وأسكنهم آمنين . ويكونون لي شعباً وأنا أكون لهم إلهاً” .

أيضاَ نجد هذه النزعة العنصرية في سفر حزقيال. فهو يشدّد على ضرورة التمسّك بشريعة يَهْوه َ الانغلاقية التعّصبية . ويرفض تماماَ التساهل في هذا الأمر. إنّه يرى أنّ اليهود شعبٌ مقدّسٌ اختاره يَهْوه  ليكون شعبه الخاص المدّلل . الذي وإن أخطأ بحقه سيستمرُّ في رعايته وعنايته وتدمير كافةالشعوب والأمم من أجله. فنقرأ:لنا أُعطيتْ هذه الأرض ميراثاً. لذلك قلْ هكذا قال السيد الرّب . وإنْ كنتُ قد أبعدتهم بين الأمم وإنْ كنتُ قد بددتهم في الأراضي فإنّي أكونُ لهم مقدساً صغيراً في الأراضي التي يأتون إليها. لذلك قلْ هكذا قال السّيد الرّبّ . إنّي أجمعكم من بين الشعوب وأحشركُم من الأراضي التي تبددتم فيها ، وأعطيكم أرض إسرائيل. فيـأتون إلى هناك ويزيلون جميع مكرهاتها وجميع رجاساتها منها. وأُعطيهم قلباً واحداً وأجعلُ في داخلكم روحاً جديداً وأنزعُ قلب الحجر من لحمهم وأُعطيهم قلب لحمٍ . لكي يسلكوا في فرائضي ويحفظوا أحكامي ويعملوا بها ويكونوا لي شعباً فأنا أكونُ لهم إلهاً “.

إنّ يَهْوه لا يريد أن يكون إلهاً إلاّ لبني اسرائيل فقط ، ولا يريد شعباً إلاّ بني إسرائيل. هكذا يروي حزقيال في سفره. مؤكدّاً على رجاسة كل الأمم والشعوب ونجاستها. فنقرأ :”ها أنذا آخذ بني اسرائيل من بين الأمم التي ذهبوا إليها وأجمعهم من كل ناحية وآتي بهم إلى أرضهم. وأصيّرهم أمّة واحدة في الأرض على جبال اسرائيل وملك واحدٌ يكون ملكا عليهم كلّهم ولا يكونون بعدُ أمتّين ولا ينقسمون بعُد إلى مملكتين. ولا يتنجسّون بعد بأصنامهم  ولا برجاساتهم ولا بشئ من معاصيهم بل أُخلصهم من كلّ مساكنهم التي فيها أخطأوا وأطهرهم فيكونون لي شعباً وأنا أكون لهم إلهاً”.

ويتابع حزقيال مؤكداً على هذه الخصوصية الميثولوجية قائلاً : “ويسكنون في الأرض التي أعطيتُ عبدي يعقوب إيّاها التي سكنها آباؤكم ويسكنون فيها هم وبنوهم وبنو بنيهم إلى الأبد وعبدي داود رئيسٌ عليهم إلى الأبد وأقطعُ معهم عهد سلام فيكون معهم عهداً مؤّبداً وأُقرُّهم وأكثرهم وأجعل مقدسي في وسطهم إلى الأبد ويكون مسكني فوقهم وأكونُ لهم إلهاً ويكونون لي شعباً فتعلم الأمم أنيّ أنا الرّب مُقدّسُ إسرائيل إذ يكون مقدسي في وسطهم إلى الأبد “.

ثم نقرأ :”لذلك قال السيّد الرّب . الآن أردّ سبي يعقوب وأرحم كلّ بيت اسرائيل وأغار على اسمي القدّوس. فيحملون خزيهم وكلّ خيانتهم التي خانوني إيّاها عند سكنهم في أرضهم مطمئنين ولا مخيفٌ عند إرجاعي إيّاهم من الشعوب وجمعي إياّهم من أراضي أعدائهم وتقديسي فيهم أمام عيون أمم كثيرين . يعلمون أنّي أنا الرّبُّ إلههم بإجلائي إياهم إلى الأمم ثم جمعهم إلى أرضهم ولا أترك بعد هناك أحداً منهم . ولا أحجب وجهي عنهم بعُد لأني سكبتُ روحي على بيت اسرائيل يقول السيد الرّب”.

وتستمرُّ هذه النزعة العنصرية في الأسفار الأخرى فنقرأ في سفر يوئيل:”فيغار الرّبُّ لأرضه ويرقُّ لشعبه ويجيب الرّبُّ ويقول لشعبه ها أنذا مرسلٌ قمحاً وسطاراً وزيتاً لتشبعوا منها ولا أجعلكم أيضاً عاراً بين الأمم لأنه هو ذا في تلك الأيام وفي ذلك الوقت عندما أردُّ سبي يهوذا وأورشليم . أجمع كلّ الأمم وأنزلهم إلى وادي يهو شافاط وأُحاكمهم هناك على شعبي وميراثي إسرائيل الذين بدّدوهم بين الأمم”.

وفي سفر عاموس نقرأ :”وأردُ سبي شعبي إسرائيل فيبنون مدناً خربةً ويسكنون ويغرسون كروماً ويشربون خمرها ويصنعون جنّاتٍ ويأكلون أثمارها . وأغرسهم في أرضهم ولن يُقلعوا بعُد من أرضهم التي أعطيتهم قال الرّب إلهك”.

“فإنّه قريب يوم الرّبّ على كل الأمم”.

“وأمّا جبل صهيون فتكون عليه نجاة ويكون مقدّساً ويرثُ بيتُ يعقوب موارثيهم “.

“لأنه من صهيون تخرج الشريعة ومن أورشليم كلمة الرّبّ”.

“تلّوي ادفعي يابنت صهيون كالوالدة لأنّك الآن تخرجين من المدينة وتسكنين في البرّية وتأتين إلى بابل . هناك تُنْقذين هناك يفديك الرّبّ من يد أعدائكِ”.

“قومي ودوسي يا بنت صهيون لأنّي أَجعل قَرْنكِ حديداً وأظلافك أجعلها نحاساً فتسحقين شعوباً وأُحرّم غنيمتهم للرّب وثروتهم لسيد كلّ الأرض “.

“ترنمي يا ابنة صهيون إهتف يا اسرائيل افرحي وابتهجي بكلّ قلبكِ يا ابنة أورشليم . قد نزع الرّبّ الأقضية عليكِ. أزا ل عدّوك . ملك إسرائيل الرّبُّ في وسطك. لا تنظرين بعد شرّاً في ذلك اليوم يقال لأورشليم لا تخافي يا صهيون . لا ترتخ يداك . الرّبّ إلهك في وسطك جبّارٌ يخلصُ يبتهج بك فرحاً يسكت في محبته يبتهج بك يترنمٍ أجمع المحزونين على الموسم. كانوا منك . حاملين عليها العار. ها أنذا في ذلك اليوم أُعاملُ كلَّ مُذليِّكِ وأخلصُ الظالعة وأجمعُ المنفّية وأجعلهم تسبيحة واسماً في كلّ أرض خزيهم في الوقت الذي فيه آتى بكم وفي جمعي إياكم لأنّي أصيّركم اسماًوتسبيحةً في شعوب الأرض كلهاحين أرد مسبيّيكم قدام  أعينكم قال الرّب”

“حسب الكلام الذي عاهدتكم به عند خروجكم من مصر وروحي قائمٌ في وسطكم . لا تخافوا لأنّه هكذا قال ربّ الجنود هي مرّة بعد قليل فأزلزل السّموات والأرض والبحر واليابسة وأزلزل كلَّ الأمم ويأتي مشتهى كلَّ الأمم فأملأ هذا البيت مجداً قال رّب الجنود”.

“هكذا قال ربُّ الجنود . غرتُ على أورشليم وعلى صهيونَ غيرة عظيمة وأنا مغضبٌ بغضبٍ عظيمٍ على الأمم المطمئنين لأنّي غضبتُ قليلاً وهم أعانوا الشّر . لذلك هكذا قال الرّبّ قد رجعتُ إلى أورشليم بالمراحم فبيتي ُيبنى فيها يقول ربُّ الجنود . ويُمدُّ المطمار على أورشليم. نادِ أيضاً وقلْ . هكذا قال ربُّ الجنود إنّ مدُني تفيض بعد خيراً والرّبُّ يعزي صهيون بعد ويختار بعد أورشليم”.

” لأنّه هكذا بعُد قال رّبُّ الجنود. بعدَ المجد أرسلني إلى الأمم الذين سلبوكم لأنّه من يّمسكُم يمسُّ حدقة عينه . لأني ها أنذا أُحّرك يدي عليهم فيكونون سلباً لعبيدهم “.

” وهكذا قال رّبُّ الجنود . غرتُ على صهيونَ غيرة عظيمة وبسخط عظيم غرت عليها. هكذا قال الرّبّ. قد رجعتُ إلى صهيون وأسكن في وسط أورشليم فتدعى أورشليم مدينة الحقِّ وجبلُ ربٍّ الجنود الجبل المقدّس”.

“.هكذا قال رّبٌّ الجنود. ها أنذا أُخلّصُ شعبي من أرض المشرق ومن أرض مغرب الشمس. وآتي بهم فيسكنون في وسط أورشليم ويكونون لي شعباً وأنا أكون لهم إلهاً”.

“هاأنذا أجعل أورشليم كأس ترنحّ لجميع الشعوب حولها وأيضاً على يهوذا تكون في حصار أورشليم. ويكون في ذلك اليوم أنّي أجعل أورشليم حجراً مشوالاً لجميع الشعوب وكلّ الذين يشيلونه ينشقّون شقَّاً”.

 

0 Comments

Leave a reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

© [السنة الحالية] ALWASATEIA | مشغل بواسطة

Log in with your credentials

Forgot your details?